القاصرات في أتون الحرب في سوريا

القاصرات في أتون الحرب في سوريا

اعداد: منال الحسيني

مقدمة

ظاهرة تجنيد القاصرات هي إحدى مفرزات الصراع الدائر بين القوى المتنازعة  في سوريا، وهن – القاصرات – من  يدفعن فاتورة الحرب باهظاً – بدلاً عن الفصائل المسلحة في سوريا سواءً كان تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” أوالجيش الحر أو النظام أو ميليشيات حزب الاتحاد الديمقراطي

طفولتهن التي يحرمن منها أولاً ، وثقافة العنف التي يكتسبنها، و ممارسة هذه الثقافة على من يتواجدن في محيطهن ثانياً

ومن ثم حياتهن التي يفقدنها، و أبعاد تجنيدهن على التعاطي مع النوع الاجتماعي وزيادة الشرخ في التعامل مع المرأة، حيث يتم ترسيخ فكرة وضرورة الزواج المبكر ، في مجتمع يكاد أن تنعدم فيه القيم الإنسانية، فكيف سيتعامل مع كائن قاصر في نظره مثل المرأة و كيف سيتعامل مع القاصرات منهن؟

تزويج القاصرات هرباً من التجنيد

لعل الحل الأسهل الذي يعصف بالذهن مباشرة – ذهن ذاك الشرقي القابع في سوريا – في ظروف الحرب، حيث الفوضى وانتشار المظاهر والمجاميع المسلحة، وفقدان الأمن و فقدان الرقابة، ناهيك عن الغبن الممارس على المرأة منذ عصور، هو التخلص من عبء هذا الكائن الذي يلوح للتجنيد، بالتزويج في أول فرصة تطرق الباب، فتحرم من طفولتها ومن متابعة  دراستها، و يمارس عليها جميع أنواع وأشكال العنف، سواءً كان نفسياً أو جسدياً أو اقتصادياً أو جنسياً

هكذا عبرت والدة قاصرة فضلت عدم الإفصاح عن اسمها، وهي تبدي رعبها من ظاهرة خطف القاصرات من أجل حمل السلاح، مشيرة إلى تحول المدارس، و معاهد دورات بناتهن إلى دور لتكريس فكرة حمل السلاح بدلاً من الدراسة : “الخوف والقلق الدائم على بناتي عندما يخرجن من المنزل نحو مدارسهن أو معاهد دوراتهن يلازماني طوال فترة غيابهن عن المنزل، وأحرص دوماً على مرافقتهن لصديقات سويّات، حتى أنني أحياناً أرغب بتزوجيهن قريباً لتخفيف عبء مسؤوليتهن عليّ كأم في مجتمع ذكوري لا يرحم”.

آثار مجتمعية مستقبلية

لا يمكن بأي شكل من الأشكال، تجاهل ثقافة العنف التي تكتسبها القاصرة  منذ الصغر، وانعكاسها الكارثي على محيطها ومجتمعها، حيث تُسقط ممارستها للعنف –  من خلال السلاح التي تحمله –  على كل تفاصيل حياتها الأسرية و الاجتماعية و السياسية، ومن الصعب جداً إقناعها فيما بعد بالتخلي عن حمل السلاح و ممارسة العنف.

وهذا ما أكدته الأستاذة صبيحة خليل، عضو شبكة المرأة السورية، وعضو اللوبي النسوي السوري بقولها “القاصر بالنهاية طفل/ة، وهؤلاء هم المستقبل الذي من أجله تقدم التضحيات، وتجنيدهم هو حرق و دمار للمستقبل

واعتبرت خليل أنه “إن كان ثمة من يحتاج للحماية فسيكون الطفل أولى بالحماية والحصانة، وللتجنيد عواقب وخيمة على الصغار، فمن المؤسف أن يتم تعليمهم منذ الصغر على حمل السلاح”، لافتة  أن “المواجهة المسلحة هي وسيلة التواصل الأساسية في إدارة الأزمات والخلافات، حيث يصبح العنف الوسيلة التي أتقنها و أثنى عليها معلموه في الجبهات فيتكرر و يتفشى في المجتمع”.

ترى خليل، أنه “من السهل إقناع الطفل/ة بحمل السلاح، لأنه تقليد للكبار، واعتراف على بلوغ الرشد والقدرة والفاعلية، ولكن هيهات أن يستطيع، كان من كان، فيما بعد أن يدعهم يركنوا للسلم فيصبح المجتمع حلبة مصارعة لا تنتهي”.

كارثة أسرية

ولا يخفى على أحد مدى تأثير وانعكاس تجنيد القاصرات على أسرهن بشكل خاص، و على أسر مثيلاتهن الغير مجندات بشكل عام، فالخوف يعم أجواء منزل القاصرة المجندة، بدأً من أمها المسؤولة الأولى عن تربيتها في نظر مجتمعها الذكوري، إلى أخوتها الذين يشعرون بالعار كونهم لا يستطيعون حماية أختهم القاصر.

ولعل الأشد تأثراً، هنّ الأخوات الأصغر، اللواتي يتحملن أعباء سوء المعاملة المفاجئة تجاههن، خوفا عليهن من مصير يشبه مصير أختهنّ المختطفة، إضافة إلى التعامل اللاإنساني، من تضييق على حرية الأطفال، ولا سيما الإناث، جراء حالة الخوف والهلع التي أصابت جميع الأسر التي لديها قاصرات .

وهذه وجهة نظر ذوي إحدى القاصرات المجندات في قوات جماية المرأة منذ 23-12-2014 في الجزيرة السورية، الأستاذ مروان عيدي، أخ القاصرة المختطفة همرين، يقول : “بالطبع موضوع تجنيد القاصرين والقاصرات أمر مرفوض حسب جميع القوانين الدولية الإنسانية، لما لها من تأثير مباشر على الأسرة والمجتمع، بالنسبة للأسرة يؤدي إلى تفكك الأسرة ويؤدي إلى عدم الثقة بين الأطفال وذويهم، كون أرباب الأسر يبدون مقصرين بحق أطفالهم حتى يودي بهم إلى اﻻلتحاق بتلك القوى العسكرية لما لها ولديها من إغراءات”.

يضيف عيدي “والابتعاد عن مقاعد الدراسة، مما يخلق أجيال متخلفة أمية ليس لديها رغبة سوى تنفيذ أوامر عسكرية بالقتل”. ويردف قائلاً “وغاب عن مختطفي هؤلاء القصر، إن كان لديهم مشروع أصلا ببناء دولة ديمقراطية حسب مفهومهم، كونهم أصحاب الأمة الديمقراطية، أن الأوطان لا تبنى بسواعد المقاتلين، فقط وإنما بسواعد جميع أبنائه وشرائحه، والمجتمع الكردي التواق إلى العلم حرم من تلك الرغبة سواء بالتهجير القسري أم بإجبار الشباب والشابات بالانخراط في صفوف القوات التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي”.

يكمل شقيق القاصرة المجندة “هذه الفتاة القاصر همرين المفعمة بمشاعر الوطنيّة، هي فخرٌ لعائلتها وأخوتها الوطنيّين والمضحّين الذين ربّوها على هذه المشاعر، وبنفس الوقت هي عارٌ على وحدات حماية الشعب التي تحاول أن تسخر  هذه المشاعر وكأنّها سلعة تحقّق لهم مكاسب إيديولوجيّة بمعزل عن التفكير في مستقبلها والطريقة الإنسانيّة في تسخير هذه الطاقة، يجب أن تعود همرين عيدي إلى بيتها، وأن يُعاقب كلّ من ساهم في خطفها وتجنيدها وتشجيعها على الكذب بخصوص عمرها”.

إجراء تجميلي

و تعود المرأة من حيث بدأت ثورتها المنادية بالحرية و إسقاط النظام و إسقاط جميع العادات و التقاليد البالية التي تعيق من تطورها ومن مشاركتها في الحياة أسوة بالرجل، ولعل دواليب الزمن ترجع بها إلى ما قبل الثورة بعهود، حيث الغبن و الاضطهاد والتمييز على أساس النوع والجنس، أما إن كانت أوفر حظاً، فيتم استغلالها سياسياً وتوظيفها في مركز ليس أكثر من إطار تجميلي له، بغية الحصول على دعم غربي أمريكي لاستمرار عجلة الارتزاق على حساب دماء الأبرياء .

ولعل  قوات حماية الشعب، هي المسؤولة الأولى في “كانتونات الجزيرة و كوبانى و عفرين” عما آلت إليه حالة المرأة بشكل عام، فرغم أنها حاولت أن تشرك المرأة في أغلب الهيئات والمؤسسات التابعة لها، إلا أن مشاركتها لم تكن سوى إطار تجميلي لها، لأنها لم تكن يوماً صاحبة قرار أو مشاركة حقيقية في مراكز القرار .

ورغم أنها “تقاتل  مجموعات لا  تحترم  قوانين  الحرب  مثل  داعش، ولكن ذلك لا يبرر ارتكابها لانتهاكات هي جريمة حرب بحد ذاتها” كما وصفها تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش، وخصوصاً أنها وقعت على نداء جنيف للكف عن تجنيد الأطفال و إطلاق سراح من جندتهم.

ولكن يبدو أن قوات حماية الشعب لا تلتزم  بالصكوك التي وقعت عليها، وتستمر بتجنيد القاصرات والقاصرين، وكل ادعاءاتها باحترام حقوق الإنسان هو لإيهام المجتمع الدولي، لاستمرار دعمها مادياً وعسكرياً و لوجستياً.

 

المادة نشرت في جريدة يكيتي العدد 218