القضية السورية لم تعد للسوريين

القضية السورية لم تعد للسوريين

عبدالباقي اليوسف

الثورة السورية على أعتاب دخول عامها الخامس ولا يزال نظام الرئيس بشار الأسد قائماً، كما أن الحلول لا تزال غائبة بالرغم من ارتفاع العدد الهائل للضحايا والدمار الذي شل البلاد.

كان من الممكن تجنّب هذه الكارثة لو أن الأسد وضع مصلحة الوطن نصب عينيه ولبى مطالب المحتجين، إلا أن النظام ما كان ليضمن بقاءه لو قام ببعض الإصلاحات الديمقراطية والاقتصادية والاجتماعية. لهذا ومنذ بداية الاحتجاجات استخدم العنف والحلول الأمنية، وكالعادة بدأ يطلق سيل الاتهامات بأن نظامه الوطني الممانع يواجه مؤامرات من اسرائيل، وأمريكا، وحلفاءهم في المنطقة.

بالنسبة للمعارضة السورية، فلقد أصبحت تحت سيطرة التيارات الإسلامية، خاصة الإخوان المسلمين، ومنشقين عن النظام ذوي النزعة والثقافة القومية والبعثية. هذه المعارضة المتمثلة بالمجلس الوطني السوري وهيئة التنسيق الوطنية، لم تستطع وضع خارطة طريق لسوريا المستقبل تعبّر عن مصالح جميع مكوّنات الشعب السوري.

فأن سيطرة التيار الإسلامي على المجلس الوطني السوري وفيما بعد على الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، والدعم الذي تلقته المعارضة من بعض الدول العربية والإقليمية مثل تركيا، بالإضافة إلى غياب أي دور فعّال للدول الغربية في دعم القوى الديميقراطية، أدى إلى نشوء مجموعات إسلامية متشدّدة. وهذه النتائج تتوافق مع إستراتيجة ومصلحة النظام.

القضية السورية لم تعد للسوريين. النظام والمعارضة الحالية غير قادرين على أن يكونوا فاعلين في رسم ووضع الحلول لأزمة بلدهم فقط يمكن أن يكونوا شاهدين على الاحداث. فالقضية برمتها أصبحت بأيدي القوى الدولية والإقليمية، خاصة روسيا وإيران من جهة، ومن جهة أخرى الدول التي تساند المعارضة كالولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي إلى جانب تركيا والدول العربية الخليجية. إلا أن دعم واشنطن للمعارضة اقتصر على ضمان استمراريتها وليس انتصارها ريثما تنضج المناخات و تظهر حلول مناسبة تتوافق مع رؤيتها لسوريا المستقبل في أطاره الأقليمي و الدولي.

بعد الإعلان عن ما يسمى “الدولة الإسلامية،” اتجهت الأنظار نحو التطرف العنفي في العراق وسوريا. كما أن المجزرة الفظيعة في فرنسا نتيجة الهجومين الإرهابيين على مجلة شارلي إبدو والمتجر اليهودي في باريس، خطفت أنظار العالم بعيداً عن النظام السوري نحو المنظمات الإرهابية الإسلامية في الشرق الأوسط. في حين أن تلك الأعمال الإرهابية يجب أن تدان ويجب السيطرة عليها، إلا أن التركيز على المنظمات الإرهابية فقط سيؤدي إلى تجاهل حقيقة أساسية: لا يمكن الفصل بين نظام دمشق وتلك المنظمات.

منذ بداية الأزمة، حاول النظام توجيه اهتمام العالم نحو محاربة الإرهاب، كما أنه حاول إظهار نفسه شريكا في محاربته، واعتبار المشكلة في سوريا قضية إرهاب فقط، وهذا كان محور أولويات وفده في مؤتمر جنيف 2، لكنه فشل في مسعاه. لقد استفاد النظام من انتشار التطرف ليس فقط ضمن حدوده، بل أيضاً على الساحة الدولية لأنه أبعد الأنظار عن الجرائم التي يرتكبها في سوريا.

الأزمة السورية سوف تخرج عن السيطرة إن لم تتدخل القوى الدولية لوضع حد لها فوراً. النظام الديمقراطي الذي تطمح المعارضة السورية لإقامته في سوريا في مرحلة ما بعد الأسد لا يتجاوز الديمقراطية الشكلية؛ أي سيكون هناك صناديق انتخابية، وكذلك طوابير من البشر، وإعلام لنقل الحدث، لكن كيف سيتم ذلك في بلد يفتقر أصلا إلى الثقافة الديمقراطية وحقوق الإنسان واحترام حقوق الأقليات ويعيش في حرب داخلية ذات طابع طائفي وعلى أعتاب دخول عامها الخامس؟ بما أن النظام المركزي أثبت فشله في سوريا بعد نحو 70 عام، فعلى المجتمع الدولي التدخل لفرض نظام سياسي جديد قائم على أساس فيدرالي.

عبدالباقي اليوسف
عضو اللجنة السياسية لحزب يكيتي الكردي في سوريا.

تنويه : المقالة من موقع معهد واشنطن لسياسة الشرق الاوسط