بين (بانادول) الجعفري و(فيدرالية) المعلم

بين (بانادول) الجعفري و(فيدرالية) المعلم

د. ولات ح محمد

فجأة و من غير مناسبة قال وزير الخارجية السوري وليد المعلم لقناة روسية الثلاثاء 26/9/ “إن إقامة نظام إدارة ذاتية للأكراد في سوريا أمر قابل للتفاوض والحوار في حال إنشائها في إطار حدود الدولة”، وأضاف: “في العراق هناك استفتاء للاستقلال وهذا الشيء مرفوض من قبلناً رفضا قاطعاً، نحن مع وحدة العراق. في سوريا هم يريدون شكلاً من أشكال الإدارة الذاتية ضمن حدود الجمهورية العربية السورية. هذا الموضوع قابل للتفاوض والحوار. ونحن عندما ننتهي من القضاء على داعش يمكن أن نجلس مع أبنائنا الأكراد ونتفاهم على صيغة للمستقبل”.
هذا الكلام (الإيجابي) للمعلم يذكّر بنقيضه السلبي من خلال ما قاله سفيره في الأمم المتحدة ورئيس وفده إلى مفاوضات جنيف وأستانا بشار الجعفري يناير كانون الثاني من العام الماضي على هامش أحد مؤتمرات جنيف حين سأله الصحفي الكوردي زنار شينو عن موقفه من مطالبة الكورد في سوريا بالفيدرالية فأجاب: “كل شخص يفكر بتقسيم سوريا، ومع كل احترامي فليتناول حبة بانادول، وعليه أن يتخلص من هذه الأوهام”.
بين تصريحَي الجعفري والمعلم صدرت مواقف عدة عن مسؤولين سوريين لا تكاد تخرج عما جاء على لسان الجعفري؛ فالمعلم نفسه قال في مارس آذار من العام الماضي: ” نحن السوريين نرفض الحديث عن الفيدرالية ونؤكد على وحدة سورية”، وذلك في معرض رده على تصريحات روسية بهذا الخصوص. أما نائب المعلم فيصل المقداد فقد وصف فيدرالية شمال سوريا قبل نحو شهرين بأنها “مزحة”، بينما هددت بثينة شعبان المستشارة في القصر الجمهوري قبل أسابيع بأن الجيش السوري سيعيد الأوضاع في الشمال السوري إلى طبيعتها بالقوة إذا تطلب الأمر ذلك. أما الجعفري نفسه فعندما بدأت اجتماعات آستانا عاد الصحافي ذاته وسأله عما إذا كان موقفه “البانادولي” قد تغير بعد قيام الفيدرالية في الشمال السوري فأجاب: ” هناك دواء أقوى من البانادول اسمه أدفيل، مناسب قوي وفعال (…). أية فكرة مهما كانت مجنونة مثل الفيدرالية مثلاً، لأنها فكرة مجنونة لن تتحقق في سوريا (…). على كل حال هذا الكلام لا ينطق بلسان حال جميع السوريين الأكراد. كثير من السوريين الأكراد وطنيون بامتياز وهم ضد موضوع الفيدرالية”. الآن هل طَرْحُ المعلم غير وطني ومجنون أيضاً حسب مقاييس الجعفري؟. وهل مازال هؤلاء المسؤولون مصرين على مواقفهم أم أن المعلم نفسه لم يخرج عن السياق إلا بالقدر الذي يتفوق به عليهم حنكةً ودبلوماسية؟ بين بانادول الجعفري واستهزاء المقداد وتهديد شعبان وعرض المعلم بون شاسع، فما الذي تغير؟.
يمكن قراءة تصريح المعلم من منظورين: داخلي وخارجي. على المستوى الداخلي يبدو أن عملية استفتاء إقليم كوردستان على استقلاله عن العراق أرسلت إنذاراً إلى الدول المقتسمة للجغرافيا الكوردية بأن العاصفة ستطرق أبوابها أيضاً آجلاً أم عاجلاً. ولذلك يمكن فهم مبادرة المعلم في هذا السياق بأنها محاولة لاصطياد عدد من العصافير بحجرة واحدة؛ فهي أولاً تقدم الحكومة السورية على أنها قوية وقادرة على المبادرة، وثانياً تقطع الطريق على قيام الكورد بخطوة منفردة بعيدة عن الحكومة ومشابهة لما قام به نظراؤهم في العراق. يجب التذكير هنا أن السيد صالح مسلم استبعد مثل هذا الاحتمال قائلاً “أكراد سوريا كانوا واضحين منذ البداية لجهة أنهم استراتيجياً وآيديولوجياً ضد الانفصال”.
هذه الحجرة الاستباقية، ثالثاً، ترسل رسالة (إيجابية) للكورد عموماً والسوريين منهم خصوصاً، مفادها أنه في الوقت الذي تتكالب فيه العواصم الثلاث بغداد وأنقرة وطهران وتتفق على تهديد الكورد ومعاداتهم فإن الحكومة السورية تمد يد التعاون والتفاوض لكوردها السوريين من أجل التوصل إلى صيغة عيش مشترك تحفظ للدولة وحدتها وللكورد حقوقهم حتى ولو بلغت حد الإدارة الذاتية. وربما أراد المعلم من خلال هذه الرسالة أن يقول للقائمين على (فيدرالية شمال سوريا) إن الدولة لا تعترف بالوضع القائم أو بالأمر الواقع أو المفروض من طرف واحد، ولكنها على استعداد للتباحث حول نظام إدارة ذاتية ضمن الأطر القانونية والدستورية. ولهذا عندما سئل مسلم عن تصريح المعلم أجاب بأن لديهم “مشروعاً للفيدرالية الديمقراطية وأنهم مستعدون للحوار حوله في أي وقت من الأوقات”. ويبدو من هذين التصريحين أن كلا الطرفين يريد التفاوض (إذا حصل) من النقطة التي يريدها هو: هذا من الفيدرالية القائمة وذاك من الإدارة الذاتية المفترضة.
العصفور الرابع هو أن عرض الحكومة السورية قد يُحدِث مزيداً من الانقسام بين الطرفين الكورديين الرئيسين في غرب كوردستان؛ فمقابل موقف الإدارة الذاتية وحزب الاتحاد الديمقراطي المرحب بعرض المعلم شكك مسؤولون في المجلس الوطني الكوردي في مثل هذا الطرح وفضلوا الحوار مع الطرف الحكومي ضمن إطار المعارضة وتحت إشراف الأمم المتحدة. وهذا التباين من شأنه أن يضيف عاملاً جديداً للانقسام الكوردي الكوردي، وهو عصفور مهم للمعلم وحكومته في وقت يتوقعون أن تكون الحقوق الكوردية من المواضيع الرئيسة على طاولة التسويات في الفترة المقبلة، وسيكون الكورد بحاجة إلى وحدة الموقف والخطاب أكثر من أي وقت مضى كما حصل في إقليم كوردستان.
أما على المستوى الخارجي فيبدو أن تصريح المعلم يحمل رسالة إلى الحكومة التركية تحديداً؛ فالحكومة السورية تريد استعادة تركيا إلى صفها من بوابة الموضوع الكوردي، بحيث تقول لأنقرة – من جهة – إن ابتعادها عن دمشق أو معاداتها لها سيؤدي إلى تشكيل إقليم كوردي على حدودها الجنوبية، ما يجعل تركيا على حدود إقليمين كورديين، وبالتالي مهددة بقيام إقليم كوردي على أراضيها هي بصفة آلية وفي وقت غير بعيد. ومن جهة ثانية ربما أراد المعلم أن يقول للأتراك إن عودة الدفء إلى علاقات البلدين ستكمل الضلع الرابع للمربع الأمني التقليدي للعواصم الأربع للوقوف في وجه “الخطر” الكوردي الداهم بقوة هذه الأيام، وإن غياب هذا الضلع ليس من مصلحتهم جميعاً.
ما يدعم هذه القراءة ثلاثة أمور: الأول أن التصريح جاء مفاجئاً ومن دون مقدمات أو تطورات أو مبادرات تمهد له وتسوغه، أي أنه جاء بلا سياق منطقي يليق به، كما أنه جاء على لسان وزير الخارجية مع أنه يخص شأناً داخلياً. الأمر الثاني أن المعلم سمى عرضه بـ” نظام إدارة ذاتية للأكراد في سوريا”، وقد تقصد ذكر “الأكراد” لأنه يستهدف إثارة أنقرة وتخويفها بالمشروع المطروح، متجاوزاً بذلك تسمية الإدارة الذاتية الحالية ” فيديرالية شمال سوريا” على أساس جغرافي. الأمر الثالث أن المعلم في المقابلة ذاتها عندما سأله الصحافي عن إمكانية عودة العلاقات السورية التركية إلى سابق عهدها قال: “لسنا نحن من أساء إلى هذه العلاقات. تركيا وأخطاء سياستها تجاه سوريا وتجاه العراق جعلت المسألة الكوردية تطفو على السطح. لأن أخطاء السياسة التركية حاولت إضعاف الحكومة المركزية. ولذلك النقطة الأولى هي التحول في الموقف التركي بوقف دعم المجموعات الإرهابية وتمويلها وتسليحها بعد ذلك سنبحث في أي عرض تركي يقدم لنا بشأن تحسين العلاقات”.
من وجهة نظري تكمن رسالة المعلم الأساسية هنا، وقد أرسلها في أربع عبارات: 1-“تركيا وأخطاء سياستها تجاه سوريا وتجاه العراق” 2-“جعلت المسألة الكوردية تطفو على السطح” 3-“السياسة التركية حاولت إضعاف الحكومة المركزية” 4-“النقطة الأولى هي التحول في الموقف التركي”؛ فالمعلم يحمّل أخطاء أنقرة مسؤولية طوفان الموضوع الكوردي ويقول لمسؤوليها إن سياساتكم الخاطئة تجاه المركزين بغداد ودمشق هي التي أدت إلى إضعافهما وبروز الهامش المهمش الكوردي الذي تسبب لكم بوجع الرأس الذي تعيشونه الآن. والحل هو أن تصححوا أخطاءكم. ومادمتم قد رمّمَتم مؤخراً العلاقة بينكم وبين أحد المركزين (بغداد) فعليكم إكمال التصحيح وترميم العلاقة بينكم وبين المركز الآخر (دمشق) وإلا فإن إقليماً كوردياً في الشمال السوري في طريقه إلى حدودكم الجنوبية.
الفرق بين إقليم كوردستان العراق (كأن المعلم يقول للأتراك) وإقليم كوردستان سوريا المحتمل هو أن الثاني سيكون برضى من الحكومة السورية، وأنكم لن تستطيعوا أن تحاصروه وتهددوه وتضغطوا عليه كما تفعلون الآن مع إقليم كوردستان العراق. فإما أن تعودوا إلى دمشق كما ذهبتم إلى بغداد وإما أن تتحملوا نتيجة قيام كيان كوردي آخر شرعي ومعترف به هذه المرة. الجدير بالذكر هنا أن موسكو من جانبها رحبت بالمبادرة السورية، ربما لزيادة الضغط على أنقرة لتحقيق الهدف من عرض المعلم. أحسب أن هذا هو فحوى الرسالة السورية وهذا هو هدفها.
إذن الرسالة موجهة إلى أنقرة ولكن بالبريد الكوردي هذه المرة، ومن غير المستبعد أن تشهد الفترة القادمة توجهاً تركياً باتجاه المركز دمشق لإضعاف الهامش الكوردي، خصوصاً أن العاصمتين تستشعران معاً الآن اهتماماً أمريكياً بـ(كوردَيْهما) على جانبي الحدود، وخصوصاً أيضاً أن البراغماتية والتخلي عن الحلفاء والاستدارة الجزئية أو الكاملة باتت السمة الغالبة على سياسة أنقرة في السنوات الماضية. أما المبادئ والقيم والخطوط الحمر فباتت منذ زمن في مهب المصالح وتصحيح الأخطاء قبل أن تصبح قاتلة. وأما الكورد فمطالبون بقراءة هكذا مبادرات بدقة وعناية فائقة وتقليبها على كل الوجوه والاحتمالات.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عــن رأي Yekiti Media