تركيا ما بعد “جرابلس”

محمــــد رمضـــــــان

ربما ذكرت مراراً وتكراراً أن هناك ثمة رغبة دولية إقليمية لإطالة أمد “الأزمة السورية”، مما سعت مختلف الأطراف وبكل السبل لإيصالها لأقصى درجات الخصوبة، بحيث كل تطور ما يشي بحل قريب ينقلب إلى بداية لمرحلة جديدة أكثر تعقيداً وتداخلاً وصعوبة، فالمراوغة الأمريكية في البحث عن حليف “معتدل” داخل المعارضة السورية أوصلت الأزمة إلى استحداث التدخل الروسي الفج والمفاجئ، وبالتالي العديد من التطورات، فضلاً عن المزيد من الإرباك وإعادة الترتيبات المتفق عليها إلى نقطة الصفر، بل شلت حركة المعارضة سياسياً وعسكرياً، وخاصة بعد حالة العداء بين تركيا وروسيا على إثر إسقاط الطائرة الروسية.

بينما تركيا أثناء حالة التهميش نتيجة الممانعة الروسية، والظروف التي رافقت العملية الانقلابية باتت في حالة من الهيستريا، وإراقة ماء الوجه وسط الكثير من الحرج، حتى باتت على استعداد الدخول في مغامرة غير متكهنة العواقب، فقط من أجل إثبات وجودها وإشباع غرورها للعودة إلى مراحل عابرة من تاريخ تركيا، وإعادة دورها المركزي والمحوري في المنطقة، وفي سبيل ذلك بذلت كل لوسائل منها التنازلات والتفاهمات الغامضة مع روسيا حتى اقتربت من تبني رؤيتها في حل الأزمة السورية.

كما يبدو تمت ترجمة التفاهم الروسي التركي، بعملية دخول الجيش التركي إلى مدنية جرابلس في شمال سوريا، بينما هذا التدخل يكاد لا يمت بصلة للطموحات التركية ومطامعها بل هي رغبة أمريكية لإنهاك تركيا في المستنقع السوري، وفي الوقت ذاته يأتي في إطار هروب الدولة التركية من استحقاقات الداخلية، والأزمات التي عصفت بها بعد الانقلاب الفاشل منذ فترة وجيزة، ولتوجيه أنظار المواطن التركي نحو الخارج تحت يافطة حماية الأمن القومي التركي ومحاربة الإرهاب المتمثل بتنظيم الدولة الإسلامية “داعش” والصورة على الأرض تترجم عكس ذلك، وإذا كان لابد لتركيا من التواجد داخل الأراضي السورية بصورة “آمنة” هذا يعني أهم بحاجة إلى تقديم المزيد من التنازلات لإيران أيضاً، ليست لأنها قوة عظمى إنما لاعب فاعل وشريك روسي بامتياز عبر نفق النظام السوري، ولو افترضنا جدلاً أن مشروع الاتحاد الديمقراطي PYD يشكل خطراً على الأمن القومي التركي، إذن كيف يمكن لتركيا إرضاء أمريكا والنظام السوري وإيران من أجل وأد هذه التجربة؟ هنا تفتح الأبواب على مختلف الاحتمالات أغلبها ليست لصالح تركيا.

بلا ريب فإن الأحداث المتسارعة في المنطقة تشبه إلى حد ما المخاض العسير لولادة المنطقة من جديد، ولا يقف الأمر عند العتبة السورية في ظل أزمتها المتداخلة قد يشمل جغرافيا البلدين تركيا وإيران أيضاً، المتداخلتين في خطوط الانهيار السياسي والاجتماعي في الشرق الأوسط، خصوصاً أنهما معنيتين، مع العراق، بالقضية الكردية، التي لن تتكرر خساراتها التاريخية ومن الصعوبة بمكان إعادة الكرد في سوريا إلى مرحلة ما قبل آذار 2011 كما لم يتمكنوا إعادة الكرد في العراق بنفس الآلية التي تحدث اليوم.

ففي سياق حل مشكلات المنطقة المتشابكة سيكون للكرد كيانات خاصة تشبه إقليم كردستان العراق، تتشكل في سوريا وتركيا وإيران في ظل مباركة دولية، أو حتى الولايات المتحدة الأميركية على الأقل، وتفضي الكيانات هذه، بالضرورة، أوضاع دستورية مستجدة في دول المشرق وجوارها، فهذه الدول التي تشكلت بعد سايكس بيكو قبل مئة عام لن تغيب عن الخريطة أو تتعدل حدودها كما يروج كثيرون. كل ما في الأمر أن الدولة الوطنية ستقوم وفق إطار ديمقراطي تعددي يحترم التنوعات الأصلية، وتلك المستجدة بعد الحروب الأهلية، وسوف تلتحق بدول المشرق دولتا تركيا وإيران القائمتان على تنوع ديني وإثني ومذهبي.

الحلم التركي في القضاء على بوادر إقامة كيان كردي على حدودها يكاد يكون معدوماً، ليس حباً بالكرد من قبل القوى العظمى أمريكا وروسيا إنما هي بمثابة آخر بذور تخصيب الأزمة في المنطقة، لأن قيام كيان كردي من شأنه إدخال المنطقة في أزمة عميقة جغرافياً وزمنياً، ولكن في الوقت نفسه يعتبر المدخل الوحيد لإعادة إنتاج أدبيات مستحدثة في بنية دساتير الدولة القومية العميقة كما عليها الحال في تركيا وإيران وسوريا، بيد أن المؤسف لن يكون الأمر بهذه الإنشائية الرومنطيقية إنما سوف تكون عبر التناحر بمختلف أشكاله العرقية والمذهبية والأيدلوجية كون الفكرة هي نتاج العنف وليس العكس.

اورينت نيوز

مواضيع ذات صلة

Comments are closed.