على بغداد أن تؤيد استقلال إقليم كردستان!

سلام سرحان

بغداد ستكون أقل الخاسرين من قيام دولة كردستان، التي لن تجد مفرا من التعاون مع بغداد لإيجاد منفذ لصادراتها ووارداتها في ظل استحالة تخفيف موقف تركيا وإيران.

عنوان صارخ يمكن أن يجرح حمى الحماس الوطني الملتهب بين العراقيين ودول الجوار، لكنه واقعي، لأن جميع الأطراف لا بدّ لها أن تصحو من الصدمة في نهاية الأمر وتنحني للمعايير العالمية المعاصرة.

جميع المتفرجين من المجتمع الدولي لن يجدوا من المنطقي أو من المعقول إجبار طرف على زواج فاشل، خاصة في ظل واقع انفصال إقليم كردستان عن الحكومة المركزية منذ العام 1991.

كلنا يعرف أن الأغلبية المطلقة من سكان إقليم كردستان تحلم بالانفصال منذ قرن كامل وأن ذلك الشعور لن يهدأ مهما طال الزمن، وهو شعور طبيعي لشعب يعيش على أرضه القومية التاريخية.

بمجرد الخروج من الحمى الوطنية الساخنة والاقتراب من منطق العصر، يمكننا ببساطة إدراك أن تقرير مصير الشعوب حق طبيعي وأن الإصرار على رفضه يعبّر عن سلوك استبدادي لا مكان له في عالم اليوم.

أمّا في الحسابات الواقعية فإن العقوبات الحالية التي ستخنق الإقليم، ترجّح أن تعود أربيل إلى بغداد لتخفيف الاختناق، وسيكون من السهل انتزاع جميع الأراضي المتنازع عليها من سلطة أربيل.

حينها سيرتاح العراق من صداع لم ولن يتوقف، إذا أيّد رحلة الاستقلال التي ستستغرق وقتا طويلا. حينها ستصبح دولة كردستان “العراق” مشكلة تركيا وإيران، اللتين ستكونان مضطرتين إلى التشدد مع الدولة الجديدة أكثر بعشرات المرات من العراق.

بغداد ستكون أقل الخاسرين من قيام دولة كردستان، التي لن تجد مفرا من التعاون مع بغداد لإيجاد منفذ لصادراتها ووارداتها في ظل استحالة تخفيف موقف تركيا وإيران. وقد تعود أربيل المستقلة إلى التماس إنشاء اتحاد كونفيدرالي مع العراق كدولتين مستقلتين.

قيام دولة كردستان “العراق” سوف يؤدي في المدى البعيد إلى فقدان تركيا لمناطق الأكراد الواسعة فيها، والذين ستشتعل طموحاتهم حتما، ولن تهدأ قبل الحصول على الاستقلال التام.

أمّا النظام الحاكم في طهران فسوف يكون أكبر الخاسرين لأن استقلال إقليم كردستان العراق لن يقف عند تأجيج طموحات أكراد إيران فقط، بل يمتدّ إلى تقسيم البلاد إلى 5 دول على الأقل.

إذا تفجرت أحلام أكراد إيران فسوف تمتدّ حتما إلى إشعال طموحات مماثلة لدى الشعوب الأخرى من الأذريين الذين يشكلون 25 بالمئة من سكان إيران، مرورا بالعرب، ووصولا إلى البلوش على الأقل، وخاصة أن جميعهم يعيشون في أراضيهم القومية التاريخية.

وسيكون ذلك في مصلحة حياة تلك الشعوب وحتى الشعب الفارسي، الذي سيحصل على فرصة تاريخية لمعالجة عقدته المركبة التي يزيد عمرها على 1400 سنة والناتجة عن دوران الفرس في فلك الحضارات العربية وقبلها البابلية والسومرية في 90 بالمئة من عمر التاريخ، وهي عقدة نقص تحوّلت إلى عقدة تفوّق فارغ، شبيهة بعقدة الضحية والجلاد.

جميع العراقيين يدركون أن العلاقة مع الأكراد لن تكون يوما علاقة طبيعة في بوتقة شعب واحد. الأمر يشبه زواجا فاشلا يصرّ فيه أحد الأطراف على استمراره رغم أنه من المستحيل تحقيق وئام، لم تشهده العلاقة في أيّ يوم من الأيام.

من الواضح أن الإقليم سيدخل في أزمات خانقة بسبب الحصار الذي بدأت تفرضه بغداد وأنقرة وطهران، وسوف لن تجد أربيل غير نافذة بغداد لتخفيف اختناقها، في ظل التشدد الإيراني والتركي الحتمي.

في ظل المعادلة الحالية، من المؤكد أن يزداد اختناق الإقليم في ظل إغلاق المنافذ البرية والجوية مع العراق وتركيا وإيران واستمرار الفوضى في سوريا. وسيؤدّي ذلك إلى منع دخول جميع الأفراد والسلع وضمنها إيقاف تركيا أو تسليمها إدارة النفط الذي تصدّره أربيل إلى حكومة بغداد.

من المؤكد أن أوضاع الإقليم ستكون في المدى القريب أسوأ مما كانت عليه قبل الاستفتاء، رغم أن جنّي انفصال الإقليم خرج من القمقم ولن يتمكن أحد من إعادته إليه مهما طال الزمن.

فجأة اكتشفت بغداد أن لديها وسائل قانونية لضبط سلوك أربيل، لم تكن تدرك وجودها طوال 14 عاما. بإشارة واحدة تمكنت من إيقاف جميع الرحلات الدولية إلى مطاري أربيل والسليمانية إلى حين تسليم إدارتهما إلى السلطات الاتحادية.

بل إن شبكتي الاتصالات وهما آسيا سيل وكورك المملوكتان، بشكل مباشر، لزعامات الإقليم السياسية، لن تجدا مفرا من نقل مقراتهما إلى بغداد والخضوع للسلطات التنظيمية الاتحادية تحت ضغط الحسابات التجارية.

فالحكومة العراقية يمكنها ببساطة سحب تراخيص الشركتين وإيقافهما عن ممارسة العمل في أنحاء العراق الأخرى، وسوف تتغلب الحسابات التجارية في الشركتين والمخاوف من الإفلاس على الشعارات السياسية حتما، وتدفعهما إلى الرضوخ لإملاءات الحكومة الاتحادية. كما ستتمكن بغداد من انتزاع السيطرة على المنافذ الحدودية أيضا بمساعدة إيران وتركيا. وبذلك تفقد أربيل جميع رموز السيادة التي كانت تتمتع بها قبل إجراء الاستفتاء.

هكذا بدأ يتضح أنه سيكون من السهل على الحكومة المركزية إجبار حكومة إقليم كردستان على الانحناء للعاصفة، وفتح باب التفاوض من دون شروط مسبقة بشأن مصير المناطق المتنازع عليها. وقد يمتد ذلك ليشمل مناطق داخل محافظات الإقليم الثلاث، تقطنها أقليات غير كردية مثل الإيزيديين والمسيحيين.

وإذا تمّ الاحتكام إلى العقل فسوف يتمّ اللجوء إلى إشراف دولي وتهدئة الأوضاع وعودة إقليم كردستان إلى سيادة الحكومة المركزية بدرجة غير مسبوقة منذ عام 1991.

وسوف ينتظر الطرفان إلى حين ترتيب الإجراءات واختيار موعد مناسب لاستطلاع آراء سكان المناطق المتنازع عليها بطريقة شفافة لتقرير مصيرهم تحت إشراف دولي.

حين تسير الأمور في هذا الاتجاه ستغوص أقدام بغداد وأربيل في رمل التحكيم الدولي تدريجيا، وسوف يرضخ الطرفان في نهاية الأمر لما يتوصل إليه التحكيم الدولي. وسوف يحفظ ذلك ماء وجه الطرفين في مواجهة تصاعد الحمى الوطنية الفارغة واتهامات التخوين.

حينها سيكون العراق أقل الخاسرين من طلاق حتمي وستصبح كردستان المستقلة مشكلة تسبب الصداع لتركيا وإيران، اللتين لن تتمكنا من تخفيف موقفهما من أربيل خشية امتداد نيران النزعات الانفصالية إليهما.

إمكانية لجوء بغداد إلى هذا السلوك العقلاني مهدد بنفوذ طهران في العراق، والذي يمكن أن ينسف جميع السيناريوهات إذا دفعت طهران أذرعها من الميليشيات إلى مواجهة مسلحة مع الأكراد.

وسيكون ذلك ورقة كبيرة في يد طهران في مواجهة الإدارة الأميركية التي أعادت الملف النووي الإيراني إلى الغليان. وسيكون امتحانا كبيرا لواشنطن التي تحاول تقليص نفوذ طهران في العراق، وستضطرّ إلى استخدام العصا والجزرة في الملف النووي.

أما بعيدا عن هذا السيناريو الكارثي فقد بدأت أمس تظهر ملامح الحل البعيد المدى لمستقبل دولة كردستان العراق، التي لا بدّ لها من تحالف مع إحدى دول الجوار للوصول إلى البحر لإيجاد منفذ لوارداتها وصادراتها وخاصة النفطية.

فقد أكد مسؤولون في الإقليم انطلاق الحديث عن اتحاد كونفيدرالي أي بين دولتين مستقلتين هما العراق ودولة كردستان في إطار دولة واحدة وفق قواعد جديدة وبدفع من أطراف دولية. ويبدو أن ذلك سيكون السقف الأعلى لطموحات أربيل.

alarab

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عــن رأي Yekiti Media

مواضيع ذات صلة

Comments are closed.