على طريق السفربرلك

على طريق السفربرلك

محمد رمضان

ثلاث كلمات مفعماتٍ بالدموع والأسى والحسرة’’ تشرد – جوع – موت ’’, ودّعت منزلها بين الركام ,في مدينة كوباني الكردية المعرّبة إلى عين العرب في شمال البلاد ، وبألمٍ عميقٍ مؤلمٍ ألقت المفتاح في قاعِ بئرٍ عميقٍ ,ودفنت ذكرياتها في زاوية منسيّة من أرض الديار, ثمّ حملت على ظهرها المتقوّس من نوائب الدهر وغدر الزمان كيساً مصنوعاً من القماش الأبيض ,كانت قد وضعت بداخله بروازاً لصورة ابنها المختطف لدى الجماعات الإسلامية الراديكالية في مدينة الرقة شمال شرق سوريا عاصمة الخلافة الداعشية وكسيراتٍ من الخبز اليابس وقارورة ماءٍ , توجّهت بخطواتٍ وئيدةٍ صوب المقبرة وبكبرياءٍ جليلٍ لقراءة الفاتحة الأخيرة ، على روح ابنها البكر الذي استشهد في المجزرة التي حلّت بمدينتها المنسية في سهل سروج المترامي الأطراف على جبل مشته نور كوديعة قدرها من الظلم والمآسي عبر التاريخ على يد المستعمر بدءاً من أيام العثمانيين مروراً بالاحتلال الفرنسي والبريطاني وانتهاءً بالحكومات السورية المتعاقبة بعدما تسلّل إليها عناصر من جماعاتٍ سُميت برابرة العصر أي تنظيم الدولة الإسلامية داعش ,وتحت جنح الظلام ارتكبوا جرائمهم الشنيعة في شهر رمضان قبل بزوغ الشمس تحت راية الإسلام .

و حالما وصلت باب المقبرة ,أردفت لغطاً من الكلمات والمواويل بنبرةٍ حزينةٍ تليق بهول البوح العظيم وخمدً صوتها من شدّة البكاء على العزيز والتفتت إلى الخلف بنظرةٍ خاطفةٍ على شوارع المدينة وأحيائها الغارقة بالحزن والصمت البهيم وقالت: كفانا ياالله الأهوال والمصائب, أنا ذاهبة بلا عودة، يا ربِّ يا ربِّ , ارحمني , وشدّت الرحال نحو مدن الشمال بخطوات بطيئة رزينة حزينة خلف الجموع كسرابٍ نحو المجهول , كلّما قطعت مسافة أخرجت البرواز من الكيس, ووضعته على قلبها بشوقٍ عميقِ التنهيد، حتى وصل بها المطاف إلى أطراف مدينة الأنبياء” رها” أي مدينة أورفا في كردستان تركيا, تذكّرت طفولتها عندما كان والدها يجلب لها الهدايا والحلويات كالبندق وقمر الدين الأبيض في كلّ رحلاته إلى ديار بكر و رها و موش وهكاري بقصد العمل أو التجارة، وقالت بصوتٍ منخفضٍ :حقاً إنّ التاريخ يعيد نفسه مع سفربرلك الثانية, ها وقد عاد مليس الفارس محمد شريف ثانية بزيّ وأقنعةٍ مختلفتين عن حكام العثمانين إشارةً إلى المتحكّمين بمصير أولادها في الحصار، وحبست أنفاسها ، وأجابت على نفسها: الآن أشعر بحرقة قلب أمي، عندما كانت تبكي وهي تحضّر لنا الطعام على أخيها الذي قُطِعت أخباره بعدما ساقوه لجبهات القتال أيام سفربرلك، وأعادت أغنية أمها ,ها قد ذهب الخريف وأتى الربيع وأنا أنتظر قدوم الغوالي من الشمال المنسي وأمنيتي يا ربَّ العباد أن أشهد قدوم أخي يحمل بين يديه الهدايا والأخبار وأنا أستقبله بالزغاريد وأغنّي ها قد أتى العريس وللحديث بقية عن حكايات المخطوفين وأبنائهم في شتات الجغرافيا بعد أن أصبحت المآسي عنواناً لمدينتها تحت مسميّاتٍ عدة من كل حدبٍ وصوبٍ.