لابد من تدويل القضية الكوردستانية

جان كورد

منذ آخر الخيانات لقضية الشعب الكوردي، في 16/10/2017، وبالتحديد في مدينة كركوك الغنية بالنفط والتي اعتبرها البارزاني الخالد مصطفى “قلب كوردستان” ولا تزال غالبية سكانها كوردية بالنسبة إلى مواطنيها العرب والتركمان، رغم مسلسل التعريب المستمر في عهد أبي الجحور صدام حسين، والقضية الكوردستانية تأخذ بعداً جديداً ربما لم تأخذه من قبل منذ عقد اتفاقية سايكس – بيكو، فإن معظم الزعماء السياسيين والعسكريين في دول الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وغيرها، من الذين لهم اهتمامات بهذه القضية، إضافة إلى معاهد ومؤسسات سياسية شهيرة، أكدت على ضرورة حل المشاكل العالقة بين حكومتي إقليم كوردستان وبغداد بالطرق السلمية وتفادي العنف ووقف الأعمال العسكرية والجلوس إلى طاولة الحوار، واتفق مع هؤلاء الساسة والمنظمات، ومنها الأمم المتحدة، العديد من الزعماء والمثقفين العرب، إلاّ أن الحكومتين التركية والإيرانية لا تزال تبحث عن “قطعة من الحلوى” الكوردستانية، ولو عن طريق استخدام أسلحة الحصار والتجويع والتهديد بالاحتلال وسلب أجزاء من كوردستان، وكأن هاتين الدولتين في عهد جنكيز خان أو عصر إسماعيل الصفوي وسلاطين آل عثمان، فلا اعتراف من قبل هاتين الحكومتين بالسيادة العراقية أو الطموحات القومية العادلة لشعب كوردستان. وهذا الاهتمام الدولي خطوة هامة صوب تدويل القضية الكوردستانية.
إن التدخلات الطائفية التي أقدمت عليها إيران بشكلٍ علني فيما يسمى ب”المناطق المتنازع عليها” من كوردستان، وإقدام تركيا منذ زمنٍ بعيد على التدخلات العسكرية المرفوضة من قبل الحكومة الاتحادية في بغداد، هي شكلٌ فاضح وصارخ من “تدوبل القضية”، إضافةً إلى أن الوجود الأمريكي الخارق للسيادة العراقية، عن رضىً أو عدم رضى، شكلٌ عملي غير مختلف عما يقوم به الفرس والأتراك، إلا أنه يأتي بقناع صداقة أثبتت عدم صدقها.
وطالما الحكومة العراقية بدون “عروض جادة” لحل الأزمة الدستورية وغير الدستورية مع القيادة الكوردية، فليس ثمة خيارات عديدة أمام هذه القيادة التي كانت لها شبكة واسعة من العلاقات مع العالم الخارجي، وإذا بها بسبب “الاستفتاء على استقلال كوردستان”، وهو بموجب “حق تقرير المصير للشعوب” مشروع حسب القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، تجد نفسها من دون أي داعمٍ لها في هذا المجال، وأضعف مما كانت عليها من قوة على الأرض، بعد الضربة الخائنة من داخل الصف الكوردي، مما أفقدها المبادرة والقدرة على حسم سياسي أو عسكري للمعركة مع حكومة العبادي التي تبدو وكأنها مجرّد ألعوبة بأيدي طهران.
ليس أمام هذه القيادة الكوردية حسب رأيي سوى القليل من الخيارات:
– قبول كل مطالب الحكومة الاتحادية، وهذا يعني القبول بأن تكون دماء شهداء شعبها ذهبت هدراً، وبالتالي التنازل عن كل الطموحات القومية، والتصرف كإدارات لمحافظات ومناطق عراقية لا هوية ولا لون ولا شكل لها، وهذا سيكون خطوة للوراء لها تبعات سياسية خطيرة في الحياة السياسية في كوردستان.
-الدعوة لحل الأزمة بإقامة نظام كونفدرالي حديث في العراق، وهذا يعني التمكّن من تغيير الدستور العراقي، وهذا صعبٌ للغاية، ويتطلب خطوة عراقية إيجابية في هذا المجال.
– تعميق العلاقات السياسية والاقتصادية مع الجمهورية التركية التي ستفرح لذلك وسيسيل لعابها من أجل تحقيق مصالحها وأهدافها الاستراتيجية التي تفصح عنها الشريحة التركية الطورانية، ومنها أن كركوك والموصل تركيتان، إذ لدى البعض من هذه الشريحة أحلام توسعية، على أساس أن التركمان (وهم شعب غير الأتراك) هم الأكثرية السكانية في المنطقتين المذكورتين، ومعلوم أن الأتراك يسعون لوقف هجمات حزب العمال الكوردستاني على جيشهم ومنع قيام أي كيان كوردي في (شمال سوريا!)، وهذا يمكن تزع فتيله من خلال العلاقات الجيدة مع حزب العمال الكوردستاني الذي له طموحات متواضعة حالياً، وإدارة “الأمر الواقع” في غرب كوردستان، ومن ثم التفاوض معاً مع حكومة أنقرة، من خلال الضغط عليها شعبياً وبرلمانياً لإرغامها على قبول الكورد كشركاء وحلفاء، إذ أن كل السياسات التركية تنصب في هذا الوعاء (منع قيام دولة كوردية أينما كان)، ولكن بتعميق العلاقات السياسية والاقتصادية مع تركيا، يمكن خلق “توازن قوى” في الإقليم الكوردي بين المصالح والاستراتيجية الفارسية وبين الاستراتيجية التركية المتعددة الصور والأشكال. وبمجرّد جرّ تركيا إلى الساحة، كما انجرت إلى الساحة السورية، فإنها تساهم شاءت أم أبت في تدويل القضية الكوردستانية، حيث في تركيا أكثر من 25 مليون مواطن كوردي.
– وضع خطة عمل واسعة والاعتماد على الجاليات الكوردية في مجال توسيع وتعميق الاهتمام العالمي ب”تدويل القضية، فالأمة التي ضحت كثيراً من أجل حريتها وفي سبيل القضاء على الإرهاب ستجد بالتأكيد من يؤيد كفاحها العادل ويضع مبادئ الحياة السليمة بين الشعوب فوق المصالح المادية. وإن تدويل القضية يبدأ أولاً باتحاد وتضامن واتفاق القوى السياسية الأساسية في كوردستان ووحدة القوى المقاتلة لها، وتحريك الجاليات الكوردية في كل البلدان، وقبل كل شيء تحديد الهدف من التدويل، فهل نعني بذلك “تدويل قضية استقلال جنوب كوردستان” أم القضية الكوردستانية عامةً.
– انسحاب بيشمركة كوردستان إلى الجبال والمناطق الوعرة والاستمرار في “حرب العصابات” التي تجيدها وتدرك الحكومات المعنية خطورتها على أمن واستقرار المنطقة برمتها، ضد أعداء الحرية والاستقلال للأمة الكوردستانية، وفق خطط واستراتيجية تحرير جديدة، تقوم على أساس أن أعداء الكورد في ساعة الجد متفقون تماماً على استراتيجية تدمير الطموح القومي الكوردي بكل ما أوتوا من قوة.
– لابد من وضع خريطة جديدة للقوى والمساحات الصديقة والمعادية، والحسم الجاد والتام بين من هو العدو ومن هو الصديق، والخروج من نطاق تلك السياسات الإقليمية التي تميّزت بالتبعية وليس باستغلال الفرص المتاحة من مساحات الخلاف بين الدول المستبدة بأمتنا. أي تكون العلاقات وفق استراتيجية قومية سليمة لا تضر بالقوى الكوردية ذاتها.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عــن رأي Yekiti Media

مواضيع ذات صلة

Comments are closed.