ماذا إن أقام الكورد “إسرائيل ثانية”؟

ماذا إن أقام الكورد “إسرائيل ثانية”؟

جان كورد

إن ذروة سياسة “توحيش” الكورد وسعيهم من أجل الاستقلال في جزءٍ من أجزاء وطنهم الكبير كوردستان تتمثّل في الزعم بـأن “جمهورية كوردستان” ستكون “إسرائيل 2″ في المنطقة، وهذه السياسة أدنى درجات السخافة الإعلامية والاستهتار بإرادة شعبٍ صوّت بنسبة تفوق 72% من أفراده في الاستفتاء الذي جرى في 25/9/2017، رغم تهديدات الدول المجاورة، وصوّت ب”نعم للاستقلال” بنسبة 92% أو أكثر من مجموع الذين ساهموا في الاستفتاء، إضافةً إلى أن الكورد في العالم أجمع، حسبما رأينا وسمعنا وقرأنا عنهم، ساندوا الاستفتاء ودعوا إخوتهم وأخواتهم في الإقليم للإدلاء ب”نعم للاستقلال”، في حين أن دولة إسرائيل الأولى لم تقم على أساس الاستفتاء، إلاّ أن اليهود في شتى أنحاء العالم مثلما الكورد كانوا يسعون لإنشاء دولةٍ خاصةٍ بهم، بعد سلسلةٍ طويلةٍ من المجازر وتاريخٍ طويلٍ من الاضطهاد على أيدي الآخرين، إلاّ في كوردستان التي عاشوا فيها منذ قضاء الميديين والبابليين على الإمبراطورية الآشورية في عام 612 ق. م وإلى قيام نظام صدام حسين بتطبيق اجراءاتٍ قاسيةٍ عليهم، فلم يجدوا أمامهم سوى الهجرة إلى إسرائيل أو الولايات المتحدة الأمريكية.
فماذا إن أقام الكورد دولتهم التي يراها ملالي إيران وأحفاد طوران في تركيا ويتامى البعث في العراق وسوريا “إسرائيل ثانية” في المنطقة؟
أولاً – الشعب الكوردي لم يغتصب بلادكم، بل أنتم أيها العنصريون من اغتصب أرض كوردستان ونهبتهم خيراتها وقمتم بشن الحروب على أهلها ومارستم فيها كل أنواع السياسات العنصرية والصهر الشوفيني وقمع الحريات ومنع اللغة الكوردية، بل أنتم الذين نصبتم وتنصبون المشانق للشباب الكوردي ومنكم من يحرقهم أحياءً أو يحزّ رؤوس المقاتلين الكورد.
ثانياً – قوى الشعب الكوردي السياسية تعتمد في هذه المسألة على حقٍ أساسي ومشروعٍ من حقوق الأمم والشعوب ومثبت في ميثاق الأمم المتحدة الذي يتضمن “حق تقرير المصير للشعوب” دون استثناء أي شعب من نيله والتمتّع به. فكيف تساندون هذا الحق لشعوبٍ أخرى في العالم ومنها الشعب الفلسطيني وتنكرونه على الشعب الكوردي؟ طبعاً لأنكم خائفون من أن تنتفض في وجهكم بقية الأمة الكوردية فتجدون دولكم القومية والعنصرية أقل حجماً وامكاناتٍ مالية واقتصادية وبشرية، فلماذا لا تعترفون بهذا صراحةً وتتذرعون بأن استفتاء الكورد من أجل الاستقلال في جنوب وطنهم مخالف للدستور العراقي، والعراق حسب دستوره دولة اتحادية فماذا يعني هذا ؟ والشراكة قد تنفض بين طرفين عندما لا ينفذ طرف منهما عقد الشراكة والاتحاد بينهما وهل “حق تقرير المصير للشعوب” غير مهم لكم؟ أم أن الدستور الوطني للعراق أهم لديكم من (ميثاق الأمم المتحدة)؟ ومتى اكترثتم بالدساتير فعلاً؟
ثالثاً – كيف تسمحون لأنفسكم التدخل في الشؤون الداخلية لدولةٍ مجاورة ولا تسمحون لأحدٍ بالتدخل في شؤونكم الداخلية؟ فهل تمارسون هذا كحقٍ مشروعٍ لكم دولياً وعلى ماذا تستندون؟ فهل أمنكم القومي رهن بقاء شعبٍ آخر غير شعبكم في تبعية وعبودية واحتلالٍ واضطهاد إلى الأبد؟ أم أن أمنكم القومي رهن السلام والأمن والاستقرار لجميع الشعوب في المنطقة، ومنها شعب كوردستان؟
رابعاً – اسألوا شعوبكم فيما إذا كانت لا تحسد شعب إسرائيل الأولى على تطوره وتقدمه في سائر المجالات وفي ديموقراطيته التي ينعم بها. قد تقولون بأن إسرائيل تضطهد الشعب الفلسطيني، ولكن الشعب الفلسطيني لديه قيادة وحكومة ورئاسة بيتها وبين حكومة إسرائيل اتفاقات رغم التحديات والمصاعب التي تنجم في مساراتٍ عدة، أليس هذا بأفضل من سياسات الحرب التي تمارسها حكومات بلدانكم على الأمة الكوردية، ومنكم من دمّر بلاده وهجّر شعبه، وليس الشعب الكوردي وحده، والأدهى من هذا أن بعضكم يدّعي الديموقراطية وفي سجونه آلاف المعارضين في كل حينٍ.
خامساً – هل احتلت إسرائيل الثانية أراضي فارسية أو تركية أو عربية حتى تطلقون هذه التسمية على الدولة الكوردية القادمة رغم أنفكم؟ أم أنكم تحتلون أرض كوردستان، وتحاولون عن طريق الحصار والتجويع القضاء على بذرة الاستقلال اليانعة التي لن تذبل ولن تموت بعد اليوم، رغم حروبكم ووحشية تصرفكم إزاء أمتنا، في حين أنتم ضد حصار “غزة” و”قطر” و”ميانمار” ومنكم من أعلن أمام العالم أن “سياسة التجويع” جريمة ضد الإنسانية! فهل تظنون أن شعوبكم جاهلة بازدواجية سياساتكم التي ترتدون من أجل تسويقها عباءات دينية مزركشة؟
سادساً – أنتم تحاربون “الدولة الإسرائيلية الثانية!” لأنها ستكون ديموقراطية وأنتم لا تحبونها، وستكون لكل مكونات كوردستان القومية والدينية وأنتم تريدونها دولاً قومية عنصرية لكم وحدكم، وفيها المكونات الأخرى من الدرجة الثانية، وأنتم ضد هذه الدولة التي ستكون قوية باقتصادها، ولذلك تركزون باستمرار على انتزاع حقول النفط في كركوك من الكورد حتى تمنعوا نمو وتطور وتقدم اقتصاد الكورد ولتستفيدوا أنتم من ذلك البترول… وذريعتكم الباهتة هي أن اسرائيل الثانية ستكون حليفةً لإسرائيل الأولى وضد المسلمين، فهل نسيتم أن الكورد أمة مسلمة وصفها أحد علماء مصر الكبار الراحلين بأنها رأس حربة الإسلام في العالم؟ وهل نسيتم أن أوّل رئيس دولة مسلم انحنى أمام قبر مؤسس اسرائيل الأولى هو السيد أردوغان رئيس جوقة الحصار والتجويع المتحمسة للقضاء على استقلال الكورد؟ أم نسيتم أن رئيس إيران الشهير الذي كان يهدد على الدوام بإزالة إسرائيل الأولى من الخريطة، محمود احمدى نجاد، هو الذي دخل على كبار حاخامات اليهود في نيويورك فقام له الجميع احتراماً وهم لا يقفون لأحدٍ ليس بأعلى منهم مكانةً في هرم سلطاتهم الدينية؟
سابعاً – رأسمالكم الوحيد في سياسة “توحيش العدو الكوردي” هو أن للكورد علاقات تاريخية مع إسرائيل الأولى، فماذا في الأمر؟ إذ ليس بين الكورد والإسرائيليين أي عداوة في التاريخ، وفي العصر الحديث أيضاً، فلا الإسرائيليون محتلون لأراضي كوردية ولا الكورد محتلون لأراضي إسرائيلية، فما المانع على التعاون والتضامن طالما لا نتعاون على الشر والعدوان؟ وبالتأكيد، فإن الكورد سيستفيدون من خبرات وإمكانات الإسرائيليين، كما يستفيد منها المصريون اليوم في مجال الزراعة مثلاً، ولماذا يكون هذا حلالاً للمصريين وحراماً على الكورد يا من يتقنّعون بالدين في كل خطاب؟
وأخيراً نقول لكم:
كل رجالات أمتنا، وعلماء أديان كوردستان، وكل الأحزاب الكوردستانية المخلصة وقفت مع الاستفتاء والحق في الاستقلال، وجماهير شعبنا بمختلف مكوناته القومية والدينية متعطشة للاستقلال، فلماذا أنتم متشنجون وغير قادرين على تفهّم أن “إسرائيل الثانية” ستكون منطقةً تابونية عازلةً بينكم تمنع وقوع حروبٍ مباشرة ضد بعضكم بعضا، وهذه ال”إسرائيل” الجديدة ستكون جسراً بينكم وبين “إسرائيل الأولى” لردم الخلافات وتسوية المشاكل والعيش معاً جميعاً ومن ضمن شعوبنا الشعبان الإسرائيلي والفلسطيني في سلامٍ وأمن واستقرارٍ ورفاهية…
فتعالوا لنحوّل مدافعنا إلى محاريث ولنوّحد قوانا من أجل البناء والعمران، ولنتعاون على بناء شرق أوسط جديد حقاً لا مجال فيه للكراهية والتباغض والفتن وسفك الدماء، ولنوّفر الأموال التي نشتري بها السلاح من أجل التعليم والتربية وتحصين مجتمعاتنا ضد الإرهاب والكوارث والأمراض والحروب.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عــن رأي Yekiti Media