من حق الأكراد كما الفلسطينيين أن تكون لهم دولة

سعد الدين إبراهيم

لن يستقر الشرق الأوسط الكبير، ما لم يحصل أبناء كل جماعة، وكل شعب من شعوبه، وكل أمّة من أممه على كيان سياسى خاص بكل منهم، سواء كان مُستقلاً تماماً، أو يتمتع بُحكم ذاتى، ضمن دولة فيدرالية أكبر. وقد كانت هذه الجماعات والشعوب تعيش فى وئام وسلام طوال القرون العشرة من الثامن إلى الثامن عشر، فى ظل الخِلافة الإسلامية التى توارثها الأمويون، والعباسيون والفاطميون، والأيوبيون، والمماليك، والعُثمانيون. ومع تدهور أحوال إمبراطورية آل عُثمان فى قرنيها الأخيرين سارعت بريطانيا وفرنسا لاقتسام بُلدان تلك الإمبراطورية- إما بالاستعمار المُباشر (الاحتلال)، أو غير المُباشرة (الحماية، أو الانتداب).

وسمعنا كثيراً أو تعلمنا عن وعد بلفور، الذى وعدت به بريطانيا الحركة الصهيونية العالمية أن تُساعد اليهود فى إقامة وطن قومى لهم فى فلسطين.

وضمن مجموعة الوعود التى أعطيت خلال تلك الحرب العُظمى وعد للأكراد، بأن تكون لهم دولتهم المُستقلة فى الأقاليم التى يتركّزون فيها- فى جنوب شرق الأناضول (تركيا)، وشمال العِراق، وشمال شرق سوريا، وشمال غرب إيران.

وكالعادة، لا تحفظ الدول الكُبرى عهدا أو تحترم وعداً، إلا إذا كان لها مصلحة فى ذلك. وحين انتهت تلك الحرب، فإن بريطانيا لم تفِ إلا بوعدها للحركة الصهيونية، وفى تلك الدسائس والمُخططات الاستعمارية دفع شعبان ثمناً أعلى من سائر الضحايا الآخرين فى الشرق الأوسط. الشعب الأول هو الشعب الفلسطينى الذى ضاعت كل أرضه للحركة الصهيونية، التى أصبحت إسرائيل. أما الضحية الكُبرى الثانية فكانت الشعب الكُردى، الذى وجد نفسه بعد الحرب العالمية الأولى يعيش فى أربعة كيانات قُطرية مُختلفة: تركيا، وإيران، والعِراق، وسوريا. وكان تعداد الأكراد فى ذلك الوقت (1918م)، أى منذ مائة عام تقريباً هو سبعة ملايين كُردى، يتحدثون لُغة واحدة، وإن بلهجات مُختلفة، من قبيلة إلى أخرى. ولكن يجمعهم أيضاً إحساس مُشترك بذات ثقافية- عِرقية واحدة.

ولأن المناطق التى عاش فيها الأكراد لآلاف السنين هى مناطق جبلية وعرة وفقيرة، فإن المسلمين العرب الذين فتحوا تلك البلاد فى القرنين الثامن والتاسع الميلاديين، لم يهتموا بفتح تلك المناطق، واكتفوا بأسلمتهم، دون تعريبهم. وهكذا، فرغم أن الأكراد اعتنقوا الإسلام منذ ذلك التاريخ السحيق (منذ أربعة عشر قرناً) إلا أنهم احتفظوا بُلغتهم وثقافتهم المُتميزة عما حولهم من ثقافات- عربية وفارسية وتركية. وطالب زُعماؤهم أثناء الحرب العالمية الأولى بالاستقلال فى دولة كُردية موحدة.

ولكن كان للحُلفاء المنتصرين فى الحرب أفكار ومصالح أخرى، تعارضت مع مطالب الشعب الكُردى، كما تعارضت مع مصالح بقية شعوب المنطقة. ولكن لترضية الأكراد، فقد أورد مؤتمر الصُلح بعد الحرب العالمية الأولى توصية غير مُلزمة لحكومات الكيانات القُطرية الجديدة (إيران – تركيا- سوريا)، أو لسُلطات الانتداب فيها أن يُراعوا المطالب الكُردية، وأن يمنحوا الأكراد حُكماً ذاتياً فى المناطق التى يُشكلون فيها أغلبية سُكانية.

ولكن حكومات تلك الكيانات القُطرية الجديدة لم تحترم تلك التوصيات، ولم تتعاطف مع المُطالبة القومية للأكراد فى الدول الأربع الجديدة (إيران- تركيا- العِراق- سوريا). وحينما كان الأكراد ينتفضون من أجل تحقيق مطالب سياسية أو ثقافية مشروعة، كانت حكومات تلك الكيانات القُطرية الجديدة تستخدم كل وسائل البطش والعُنف لإخمادها.

ولكن رغم مرور ما يقرب من مائة عام على تجربة الأكراد فى أربعة كيانات، أصبحت دولاً فيما بعد، إلا أن الأكراد لا يزالون مُحاربين شرسين، تُداعبهم أحلام دولة كُردية فى المناطق الحدودية جنوب شرق تركيا، وشمال العِراق، وشمال غرب إيران، وشمال شرق سوريا.

والأسباب وراء كتابة هذا المقال هى:

أولاً، التعاطف الإنسانى والحقوقى نحو شعب أصيل وليس شعباً دخيلاً على المنطقة. وهو الشعب الذى أنجب قادة عظاما، جاهدوا فى سبيل الإسلام والعروبة ضد الدُخلاء والمُحتلين الأجانب. وفى مقدمة هؤلاء القادة العظام صلاح الدين الأيوبى، الذى حارب الصليبيين من قاعدتيه فى حلب ومصر، وهو الذى حرر القُدس واستعادها لحُكم المسلمين. وقد خلّدت سيرة صلاح الدين كتابات أوروبية كثيرة. كما كان محل إعجاب أحد كبار الملوك الصليبيين، وهو ريتشارد قلب الأسد.

ثانياً، أن الأكراد قد أبلوا بلاءً حسناً فى مُقاومة أى احتلال من خارج المنطقة، وقاتلوا جنباً إلى جنب مع أى مُجاهدين عرب أو مسلمين ضد الغُزاة من الخارج، وضد الطُغاة من الداخل، وكانت آخر تضحياتهم فى هذا الصدد خلال النصف الأول من عام 2017، تحرير منطقة الرقّة السورية، ومدينة الموصل العِراقية، من العناصر المُتطرفة.

ثالثاً، اعتقد أن منطقة المشرق، التى تضم العِراق وسوريا والأردن ولبنان وفلسطين لن تهدأ أو تستقر أمورها إلا إذا حصل كل من الأكراد والفلسطينيين على حقوقهم المشروعة فى تأسيس كياناتهم القُطرية المُستقلة.

رابعاً، بفضل شجاعة وتضحيات المُقاتلين الأكراد، نجحوا فى أن يؤمّنوا شريطاً أرضياً يصل بين مدينة الرقّة وساحل البحر الأبيض المتوسط يستطيعون من خلال تحقيق حلم الدولة.

خامساً، حيث إن منطقة الشرق الأوسط الكبير فى حالة سيولة وغليان منذ ثورات الربيع العربى (2010-2017)، فإن من المُناسب، بل من المطلوب ومن المرغوب، أن يكون للأكراد دولتهم المُستقلة. فعلى كل من يهمهم الأمر، أن يلتفوا حول هذا المطلب الكُردى العادل الذى طال تأجيله. ففى مثل هذه الدولة الكُردية شفاء لكل الجيران وللشرق الأوسط كله. والله أعلم.

وعلى الله قصد السبيل.

almasryalyoum

جميــع المقـالات المنشــورة تعبـر عــن رأي كتأبهـا ولا تعبــر بالضــرورة عــن رأي Yekiti Media

 

مواضيع ذات صلة

Comments are closed.