
آليان جذور كُردية في قلب الجزيرة السورية.
فرحان مرعي
الجزء الأول
تقع منطقة آليان في شمال شرق سوريا ،ضمن محافظة الحسكة،في المثلث الحدودي بين سورياو تركيا،و العراق، تمتدّ بين نهري جراح غربا وكري ديرا شرقاً بطول ٣٠ كم ، ومن الحدود التركية الحالية شمالاً، إلى بلدة جل آغا جنوباً بعمق ١٥ كم ،و بمساحة ٤٥٠ كم مربع، أكبر من مساحة قطاع غزة البالغة ٣٦٥ كيلو متراً مربعاً، وقديماً قبل ترسيم الحدود كانت آليان أكثر اتساعاً حيث ارتبطت جغرافياً بامتدادات جبال طوروس وبالسهول المتصلة بجبال سنجار جنوباً، عند وصول مياه أنهار آليان، وكانت هذه السهول خالية من العمران إلا من بعض الخيم المتناثرة، والعشائر الكُردية كانت ترحل إليها مؤقتاً للرعي وتعود مع بدايات الشتاء، والحدود الجنوبية لآليان لم تكن مستقرة، فهي كانت في حالة مد وجزر نتيجة توترات متقطعة حدودية بين زعماء المنطقة من آل مرعي و عشائر الشمر وعشائر عربية أخرى ، الذين كانوا يحاولون التوغل والإمتداد شمالاً للوصول إلى المراعي إلى أن توصلت الأطراف المتنازعة إلى تثبيت الحدود عام ١٩٣٧ ، ، وبعض الوثائق كانت تشير أنّ عشائر آليان كانوا يعيشون بين نهر جراح والسفوح الغربية لجبل قره شوق، (كراتشوك) والقريبة من امتدادات جبال طوروس وهي تقع تقليديًا منتصف الطريق بين نصيبين وجزيرة بوتان، تبعد عنهما ب٤٥ كم .
انقسمت آليان بعد ترسيم الحدود بين تركيا وسوريا ١٩٣٠ نتيجة اتفاقيات سايكس بيكو،وظلّ كثير من القرى ضمن الأراضي التركيةو تقدّر ب ٢٠ قرية مما أحدث انقساماً سكانياً وجغرافياً لآليان…
تعود جذور سكان آليان إلى الشعب الكُردي القديم في الجزيرة السورية، واستقروا فيها منذ العصور الوسطى، وكانت المنطقة في العهد العثماني جزءاً، من ولاية دياربكر، (آمد،) وولاية ماردين في مراحل أخرى ثم أخيراً جزيرة بوتان، واستفادوا من وضع الحكم الذاتي (سنجق حكم ذاتي نسبي )، وبعد إنهيار السلطة العثمانية صارت جزءاً من محافظة الحسكة (الجزيرة) ضمن دولة سوريا الحديثة. سجّلت السلطات العثمانية تفاصيل أراضيها وسكانها، فيما واصل الفرنسيون توثيق الأراضي والعشائر وجباية الضرائب.
اشتهرت آليان بسهولها الزراعية الخصبة ومياهها، وطواحينها المائية الشهيرة التي انتشرت على ضفاف المجاري المائية ، وقربها من منابع نهر دجلة التي غذت الحياة فيها منذ قرون، مما جعلها ملتقى الزراعة والهجرة وطرق التجارة كطريق الحرير، حيث كانت ديرونا آغي مركز منطقة آليان بمثابة نقطة التقاء واستراحة القوافل التجارية- طريق الحرير القادم من نصيبين، ماردين – إلى الموصل وزاخو وباتجاه الشرق وبالعكس… ، وكان يعتمد اقتصادها على الزراعة البعلية- فهي تقع على الخط المطري حيث الهطولات المطرية السنوية أكثر من ٥٠٠ مم- وعلى الري عن طريق الأنهار والينابيع الغزيرة،و اشتهرت بطواحينها المائية التي انتشرت بكثرة في المنطقة على طول أنهارها ، لتأمين مادة الدقيق للسكان، وشكّلت هذه الطواحين علامة على التطور والتعاون المجتمعي في آليان – إلى تربية المواشي والأغنام كجزء من النشاط الاقتصادي التقليدي الذي تحول جزئياً إلى الأنشطة التجارية والحرف اليدوية…..
واكتشف مؤخراً مكامن النفط في منطقة آليان، وحفر أول بئر نفطي استكشافي عام ١٩٦٢ في قرية آل قوس، ثم تطورت عمليات الحفر والتنقيب، وتطوير خطوط نقل النفط والغاز من الآبار إلى محطات التجميع، حقول عليان (آليان) الأولى والثانية، وحقل معشوق، وسعيدة (باباسي) وهذه شكلت نقلة نوعية في مستوى التطور الإقتصادي والعمالة وتحسين مستوى المعيشة والخدمات ، ومع ذلك حافظت آليان على نموذجها الريفي الزراعي وطابعها القروي…..
آليان تاريخياً لم تكن مجرد امتداد جغرافي بل حضارة مستمرة منذ العصور الوسطى، تؤكّد آثار وبقايا العمران والمقابر والمزارات- أهمها مزار في كري أيلم الملقب ب (êlimê rim kesî) الذي يبعد عن ديرونا آغي شمالاً ١٠ كم- هذه المعالم تؤكّد عراقة المنطقة ووجود بشر من الشعوب القديمة كالحوريين والميتانيين، والآشوريين وثقافات ما قبل الإسلام والميلاد،
إنّ هذه المعطيات في الواقع بحاجة إلى تدعيم أثري منهجي وجهود بحثية عميقة …….
أغلب السكان في المنطقة هم من الكُرد الذين حافظوا على نمط الحياة الريفية الزراعية الرعوية، كما حافظوا على اللغة الكُردية الأصيلة واللهجات المحلية وعاداتها وتقاليدها في الزواج واللباس والموسيقى رغم التأثيرات العربية والتركية والغزوات والاضطرابات، فظلت المنطقة محافظة على انتظامها الاجتماعي الزراعي ولم يكونوا مجرد رعاة بدو عابرين.
وشهدت منطقة آليان تعايشاً دينياً ممتداً على مرّ التاريخ من اليهودية إلى المسيحية، والأيزيدية، والإسلام وكان لبعض المعتقدات الدينية القديمة كالزرداشتية أثراً واضحاً في الممارسات الشعبية المحلية والطقوس الدينية, وهذا يعكس أنّ المجتمع الكُردي في آليان جزء من النسق التاريخي الأوسع للوجود الكُردي في شمال شرق سوريا وجنوب شرق تركيا.
يمكن القول :إنّ وجود الكُرد في منطقة آليان ليس مجرد هجرة عابرة بل امتداد تاريخي حقيقي داخل النسيج الاجتماعي للجزيرة الفراتية وقد مرّ هذا الوجود بتغييرات كبيرة في العهد العثماني مروراً ب الانتداب الفرنسي وصولاً إلى الدولة السورية الحديثة، ورغم تحديات الهوية والحدود والسياسة فإنّ الثقافة واللغة والعشائر الكُردية بقيت عوامل مركزية في حفظ الوجود الكُردي في آليان حتى العصر الراهن.
إنّ النظام القبلي والعشائري في آليان مدعوم ومثبت في سجلات الرحالة الأوروبيين وأرشيفات الدولة العثمانية والفرنسية، تمتّعت على مدى القرون الثلاثة الأخيرة بالاستقرار الإداري والإجتماعي ويعود ذلك إلى خصوبة الأراضي الزراعية وتوفر المياه والمراعي،و إلى الروابط والعلاقات الإجتماعية المتميزة،فعاشت عشائرها في وئام ووفاق في أغلب المراحل، وكان لنمط الزعامات المحلية والقائمة على الحكمة والمرونة وليس التسلط الاقطاعي التقليدي، دوراً كبيراً في هذا الاستقرار والتوطين وهذا ما نلمسه واقعياً في الكثافة السكانية الموجودة في آليان، فعدد قرى آليان بحدود ثمانين قرية ومزرعة بقيت منها ٥٥ قرية جنوب الحدود التركية والبقية ضمنها .
-آليان المعنى اللغوي والجذر التاريخي : الاسم كُردي أصيل، قديم يقسم عادة إلى قسمين :آل، إيل تشير في الكُردية القديمة إلى العشيرة أو البيت الكبير، يان، yan, لاحقة في اللغة الكُردية تعني المنتمون، إذاً المعنى الحرفي “اتباع البيت الكبير،أو النبلاء من أصحاب القرى” .
آليان إسم عشيرة كُردية قديمة قبل أن تطلق على الأرض، ثم تحوّل الاسم إلى المنطقة( آليان) بسبب الاستقرار التاريخي، وهذا ينسجم مع نمط عشائر كُردية أخرى، آليان لم تكن مجرد منطقة بل اسم عشيرة، حلف عشائري، ثم أطلق الاسم على الأرض التي استقروا فيها، يعني :العشيرة، الإستقرار، تسمية المكان باسمها، وذكر آليان في السجلات العثمانية المتأخرة، عشائر الجزيرة العليا المناطق التابعة إدارياً لولاية دياربكر، و ولاية ماردين، جزيرة بوتان موثق عرفياً، وارشيفياً، ، وفي الخرائط الفرنسية باسم alyan, كاسم منطقة وتجمع عشائري وليس مجرد قرية، ثم بعد ١٩٤٦ تحوّل إلى تسمية محلية غير رسمية، داخل سوريا وبقي حياً في الذاكرة الاجتماعية والعرف العشائري. ويحتمل جدا ،أن اسم آليان أقدم من العهد العثماني، قد تعود إلى العهود الميدية والآشورية، الذين استوطنوا في شمال سوريا وفينيقيا الشمالية، فجاء في الكتابات الآشورية، حسب ما ورد من كتابة على حجر بهستون، مصطلح بل آلي، وهي ترجمة المصطلح الميدي ويس باتي،، ويقصد به الاتحاد الاقتصادي للمجتمع، أو النبلاء من أصحاب القرى، وحسب بطليموس كانوا يسمّون تلك المنطقة التي أجبر فيها الميديون على الاستيطان بسوريا الميدية، هذا كان الآشوريون يستوطنون الأسرى والشعوب الأخرى في مناطق بعيدة وعندما استولوا على ميديا استوطنوا سكانها في شمال سوريا يستنتج ان بل آلي، وئيلي لي، هم قادة القرى البدائية من المواقع الجغرافية في غرب ميديا وكانت هذه المناطق أكثر تقدماً اجتماعياً واقتصادياً من ميديا الشرقية.
المقال منشور في جريدة يكيتي العدد “342“






