أزمة التعليم في كُـردستان سوريا

بدران مستو

لم يشهد التعليم في سوريا خلال العقود الماضية خطراً؛ يهدد مستقبل مئات الآلاف من الطلبة, مثلما جرى ويجري العمل به حالياً, بسبب تداعيات الحرب الكارثية, وسيطرة الفصائل العسكرية المتشددة على مساحات واسعة من الأراضي السورية, والتي حاولت كل منها إيجاد البدائل لمناهج الدراسية للنظام؛ بتعديلها أو بتبديلها كلياً, بشكل يتماشى مع هوياتها السياسية. فنتيجة للفراغ الإداري والأمني, الذي خلفه انسحاب النظام الدموي لسلطاته من مناطق كُـردستان سوريا, واستلام القوات التابعة لـ PYD لمقاليد السلطة فيها, عملت هذه السلطة الاستبدادية, على محاولة فرض ايديولوجيتها, وسياساتها على كافة مناحي الحياة, فصاغت في البداية دستوراً على مقاسها, وأصدرت بموجبه القوانين الناظمة لتعزيز سلطاتها, وأسست العشرات من المؤسسات والمنظمات والهيئات, كان منها هيئة التعليم والتي عرفها دستورها بأنها: (مسؤولة عن النظام التعليمي المرتكز؛ على مفهوم الأمة الديمقراطية للمجتمع على كافة المستويات), وقد أكد أيضاً الكونفرانس الثاني (لمؤسسة اللغة الكُـردية), المنعقد في مدينة عفرين عام 2015, على تسييس التعليم من خلال التوصيات الصادرة عنها ( إن مؤسسة اللغة الكُـردية, ستعمل من أجل ترسيخ النظام التعليمي, وفق مبادئ الأمة الديمقراطية, استناداً إلى فلسفة قائد الشعب الكُـردي عبدالله أوجلان …). وتنفيذاً لتلك التوجهات والتوصيات, فرض الاتحاد الديمقراطي هويته السياسية المؤدلجة على المناهج الدراسية بالتدريج, اعتباراً من عام 2012, حتى شمل حالياً كل مراحلها تقريباً, وذلك لتوظيفها لتدعيم مواقعها, وبث أيديولوجيتها, وتوجهاتها السياسية ,والاقتصادية والثقافية, لتحقيق هدفها الاستراتيجي, في ضمان ديمومة سلطتها المطلقة, لأطول فترة ممكنة على رقاب العباد.

إن الحركة الوطنية الكُـردية, أكدت منذ انطلاقتها على النضال, من أجل حمل الحكومات المتعاقبة في دمشق, على الاعتراف الدستوري بوجود الشعب الكُـردي في سوريا, ولانتزاعه حقوقه القومية المشروعة, لكنها كانت دائماً تصطدم بالنظام العنصري لحزب البعث, وعلى الرغم من الإجراءات, والسياسات القمعية المتبعة تجاهها, فقد واصلت الحركة الكُردية نضالها, وأصدرت دوريات باللغة الكُـردية, ونظم كوادرها الآلاف من الدورات التعليمية السرية, لتعليم أبناء وبنات الشعب الكُـردي مبادئ القراءة والكتابة, وتعرض بعضهم بسببها إلى الملاحقة والاعتقال, إلا أن السياسة لتعليمية  لـ PYD, لاقت الرفض من قبل المجلس الوطني الكُـردي, ومنظمات المجتمع المدني, وشرائح كبيرة من كافة المكونات العرقية, لدواعي كثيرة نذكر منها :

– إنها جاءت كخطوة فردية, فرضتها إدارة PYD, بعيدة عن مبدأ التوافق مع الأطراف الكُـردية, أو حتى التوافق مع النظام, كحالة براغماتية مؤقتة,حفاظاً على استمرار عملية التعليم واستقراره, وحرصاً على المستقبل الدراسي لعشرات الآلاف من الطلاب.

– إن المناهج الدراسية جاءت كاستمرار لمناهج النظام كحالة شمولية مؤدلجة, وضعت بما يتناسب مع هوية PYD الإيديولوجية وسياساتها الإقصائية , وذلك للاستثمار السلبي في عقول الأجيال, لمحاولة تهيئتها, وتسويق توجهاتها الفكرية والسياسية, في عملية تدجين ممنهجة, غايتها فرض باب الطاعة والولاء, والتسليم بما يقدم لهم كحقائق ومسلمات غير قابلة للنقاش أو النقد, وهو ما يتعارض تماماً, مع الهدف السامي التي وجدت من أجلها المدارس في المجتمعات المدنية ببعديها التعليمي والتربوي؛ فالبعد التعليمي فيه يهدف إلى تزويد الطلاب بالعلم والمعرفة, وإكسابهم الخبرات والمهارات, أما البعد التربوي فيه فيهدف إلى توعية الأجيال ، وغرس قيم الخير والفضيلة, والعمل على أساس الديمقراطية في سلوكهم ، وتنمية روح التسامح، وقبول الآخر, والحوار الإيجابي في التعامل مع أفراد مجتمعاتهم؛ للارتقاء بهم إلى بناء شخصياتهم المستقلة المتوازنة البعيدة عن التطرف والتعصب.

– عدم الاعتراف الرسمي بها مما يهدد مستقبل الطلاب بعدم إمكانية متابعة الدراسة لا في الجامعات والمعاهد السورية أو في غيرها خارج البلاد.

جميع المقالات المنشورة تُعبر عن رأي كتابها ولاتعبر بالضرورة عن رأي Yekiti Media

قد يعجبك ايضا