أزمة الطاقة وتداعياتها على المجتمع (مجتمع الجزيرة نموذجاً)

فرحان مرعي

منذ بداية الثورة السورية التي انقلبت إلى أزمة وصراع دولي وحرب أهلية، تفاقمت الأزمات في سوريا وعلى كافة المستويات، (الجزيرة هنا نموذجاً) ونستطيع القول لقد عاد مسار التطور، ومظاهر الحياة المدنية خمسين سنة إلى الوراء، في مجال الطاقة هنا مثال لا الحصر، (الكهرباء، بنزين، مازوت، الغاز)، وخاصة الكهرباء التي هي عصب الحياة العصرية، هذه الأزمة التي ضربت في العمق الاجتماعي، في مجالات الصحة والبيئة والمعيشة والإقتصاد، رغم الدعاية الإعلامية المكثفة من قبل سلطات الأمر الواقع، ان هناك ثورة وتطور وتجربة فريدة يجب أن تحتذى بها دول العالم، في الوقت الذي كان المواطن يلجأ إلى الأساليب البدائية في الحصول على مصادر الطاقة، كالحطب وروث البقر. لوحظ ميدانيا على أرض الواقع ان أزمة الطاقة مفتعلة، وممنهحة، ولغايات تهجير المواطنين ونشر الأوبئة والأمراض وخلق حالة من اليأس والإحباط عند الناس

الوقائع متناقضة في هذا المجال، المنشآت النفطية في الجزيرة وغيرها لم تصب بأذى وتدمير وتخريب من جراء الحرب، بل بقيت معظمها سليمة، معظم آبار النفط والغاز تعمل بشكل طبيعي وخاصة في الآونة الأخيرة_( ١٦٣٧ بئر نفط تعمل مع الغاز المرافق ، بحدود ٢٠ بئر غاز، وأربع عنفات) _ وبينما هناك مناطق ومربعات خاصة تتغذى باستمرار بالكهرباء ،نجد

الطاقة الكهربائية مقطوعة عن معظم المناطق؟؟؟؟ الأهداف كثيرة وواضحة ، هو قطع علاقة المواطن مع الحياة العصرية، ولأنه من الصعب على الناس العودة إلى الحياة القديمة، لذلك كان البحث عن المخرج لهذا الواقع، فكانت مشاريع الهجرة أو النزوح إلى مناطق السلطة أو الخارج أو البحث عن البدائل الأخرى كشراء محولات توليد الكهرباء، وهذه كانت طريقة اخرى لنهب المواطن عبر صفقات مع التجار والسماسرة والمستوردين الذين لعبوا بحياة الشعب، مع ما تصدرها هذه المحولات من ضجيج في الشوارع والأحياء التي خلقت أزمة نفسية ومعنوية عند الناس، ولتكريس هذا الواقع لجأت الجهات المعنية بالتنسيق مع تجار الحرب والمهربين والفاسدين إلى الطرق البدائية لتكرير النفط عن طريق ما سميت بالحراقات، التي تنتج المشتقات النفطية دون المواصفات والمقاييس العالمية المعروفة، فكانت النوعية رديئة جداً، والنتيجة آثار سلبية على المجتمع، ايكولوجياً ومادياً واقتصادياً وصحياً، بسبب الاستخدامات الواسعة لهذه المواد في الحياة اليومية في مجالات النقل والتدفئة ، وخاصة في استخدام مادتي البنزين والمازوت التي كلفت المواطنين خسائر باهظة مادياً وصحياً وعلى مستوى البيئة ، وكما هو معلوم أن معظم الآليات والمحركات ووسائل النقل تعمل على المازوت والبنزين وبسبب رداءة نوعيتهما أثرت على عملها، فتكبدت المواطنين الخسائر بملايين الليرات السورية، وتعطلت معظم الآليات، وتحولت قسم منها إلى الاستهلاك، بينما كانت الجهات السلطوية تحصل على هذه المواد وبنوعية جيدة من محافظات حمص وطرطوس والشام.

وفي مجال الاستخدام المنزلي لمادة المازوت كانت المصيبة كبيرة، مادة شبه خامة، مختلطة مع الغاز والكاز، تنبعث منها رائحة كريهة، فهي إما غير قابلة للاشتعال أو سريعة الاشتعال، النتيحة : أمراض الجهاز التنفسي والتحسس، وحوادث انفجار المدافئ المنزلية ذهبت ضحيتها عائلات كثيرة وما زالت هذه الأزمة مستمرة بكل تفاصيلها المادية والصحية والنفسية.

اما الخطر الأكبر والأثر الأكبر نتيجة أزمة الطاقة هو تلوث البيئة، من المعلوم أن أجواء منطقة الجزيرة بالأصل موبوءة وملوثة بيئيا بسبب إنتشار المنشآت النفطية ومخلفاتها من الغازات والمياه النفطيةو تسرب النفط من الخطوط، وازداد الوضع سوءا في السنوات الأخيرة مع الأزمة السورية ومع صعوبة ترحيل النفط إلى مصافي الدولة وانتشار ما تسمى بالحراقات البدائية لتكرير النفط كوسائل بدائية، وما تنتج من مخلفات من غازات سامة وابخرة وأدخنة سوداء أثرت ليس فقط على الإنسان وإنما على الحيوان والغطاء النباتي والأراضي الزراعية، وانتشرت الأمراض في المنطقة ك الجلدية، إلى القلبية والسرطانات وأمراض التنفس والقصبات إلى زيادة نسبة الوفيات مقارنة مع السنين الماضية كل هذا دون رادع أو حلول أو دراسات لهذه الأزمة البيئية القاتلة بل كانت الغاية كانت واضحة وهو جني أعلى الأرباح المالية من هذا الواقع المؤقت دون اكتراث لصحة المواطن وحياته وبيئته عموماً.

المنطقة بشكل دائم مغطاة بسحابة سوداءة من الدخان من هذه الحراقات وعوادم السيارات والمنشآت النفطية مما يهدد أبناء المنطقة إلى خطر جدي على حياته ووجوده وهم في الواقع يموتون بصمت في ظل صمت الجهات المعنية والمسيطرة على المنطقة.

 

المقال منشور في جريدة يكيتي العدد “282”

تمت قراءتها 201 مرة

قد يعجبك ايضا