أقلمة الشمال السوري.. الركيزة والمآلات

وليد حاج عبد القادر

غالباً لا يكون استحضار التاريخ ترفاً، بقدر ما هي متواليات لأحداث تتكرر في ذات الدوامة فتفشي وكابتكار ربما لتكرارية الأحداث وكأن أيادي خفية تعيد برمجة الإحداثيات بشكل تبدو فيها كثير من العوامل – إن من مسببات أو نتائج – تتقونن من جديد لإعادة إنتاج ذاتها وبنتائجها.

ومن هنا فإن حركة التاريخ وتعليل نتائجها، وطبيعي هنا أننا نعني دوامة المسألة الشرقية التي هي أصلاً محملة بجينات متحركة تتجدد ضمن نطاقية جغرافيتها الواسعة وكتأكيد لما تعنيه هذه المسألة منذ تحولها إلى أزمة، ومع بدايات تشكل خرائطها المحوطة كانت ولم تزل لشعوب وملل تمأسست لهم جبراً وقائع زادت في تراكم البينيات وبأطر لامست الشكل دون الركيزة الواهنة كانت تحت ضغط أزماتها أصلاً.

وباختصار، يمكننا ملاحظة آفاق لإعادة أشكلة جديدة بمثبتات بالغة الدقة تتحكم بذات الجغرافيا بشفط للتراكمات البينية الحادة، ووضع أسس جديدة للخرائط التي لابد لها من لصق ونسخ وإعادة قطع الأوصال وفكفكتها ومن جديد ترتيب آليات الضم والإلحاق لأجزاء قد تختلف في بنية التركيب المستجد.

وبعودة سريعة للمسألتين العراقية والسورية وكعنوان بارز للركيزة المؤقتة في عمق المسألة الشرقية، حيث كانتا نتاجاً من إفرازاتها منذ الحرب الكونية الأولى، وفي مراجعة مفردات عصبة الأمم وتشكلات الدول واستبيان خطوط خرائط سايكس بيكو من جهة، وتتبع خطوط الحدود الأساسية التي ارتسمت وفق رسالة مكماهون الأخيرة للشريف حسين بن علي قائد الثورة العربية الكبرى، وما تلاها خاصة بعد وصول الجنرال الفرنسي غورو إلى دمشق سنة 1920 وتحول شكل الصراع بالتوازي مع استقرار خط الحدود تركياً / عربياً في شمالي بغداد وجنوبي ولاية الموصل، فكانت المملكة العراقية (ولايتي البصرة وبغداد) التي ملكت للأمير فيصل بعد طرده من سوريا، ومنها تحولت شمالاً وإلى الشمال الغربي حيث حدود سوريا التي خضعت بموجب سايكس بيكو بدورها لعمليات شد وجذب أفرزت المئات من الاتفاقات والمعاهدات بين سلطة الانتداب الفرنسية نيابة عن سوريا مع الدولة التركية ورسمت عدة خرائط متحولة كانت تتمدد جنوباً لصالح تركيا وليلحق مساحات شاسعة من كوردستان سوريا إليها.

ومع استلام فرنسا لملف سوريا الكبيرة المؤلفة من الشام وصولاً إلى غزة، وبالتنسيق مع بريطانيا سعتا إلى تنفيذ وعد بلفور لليهود، فرسموا ملامح الدول التي هي في الطوق الجنوبي الغربي، ومن خلالها وبالترافق مع تشديد فرنسا لقبضتها على سوريا بدأت تكشف عن تصوراتها وخططها التي شملت تشكيل / تقسيم سوريا إلى دويلات “دولة العلويين في الساحل والدروز في الجنوب الغربي ودولة الشام ودولة حلب”، واقترحت دولة ديرالزور أو شرقي الفرات والتي منها ظهر مفهوم / مصطلح شرقي الفرات وغربيها.

ولكن ديرالزور ومعها عانا رغبتا بإلحاقهما بالمملكة العراقية، ومع طرح تشكيل دولة الفرات أرادت سلطة الانتداب الفرنسي الاستئناس برأي وجهاء المنطقة الكوردية، والذين وجهوا مذكرة باسم 101 من الوجهاء ورجال الدين الإسلامي والمسيحي برئاسة “حاجو آغا” طالبوا فيها بالانضمام إلى الدولة المتشكلة شريطة منحهم الحكم الذاتي، وتمت رفضها.

وبالعودة إلى سوريا سايكس بيكو وملمح الانتداب الفرنسي، وعلى الرغم من السنوات العديدة التي مرت على الاستقلال وتتالي أنظمة حكم عديدة، إلا أنه ومنذ سيطرة البعث العروبي الذي سعى جاهداً ومن خلال التقسيمات الإدارية أن يحاول كسر بعض الثوابت، ولكنها فشلت وانساحت معها في الأيام الأولى من الثورة السورية، حيث عادت المناطقيات ومعها فرز الهويات المتعددة إثنياً ومذهبياً، ومع احتدام دوامة العنف وتعدد الرايات، وفي تتبع لرحلة الاستنزاف والإجهاد التي مورست على كامل الساحة السورية، اتضحت ملامح التموضع بدءاً من الجنوب الغربي مروراً إلى المناطق الكوردية في الشمال والشمال الشرقي منه والغربي، ومنها جاءت مفردة شرقي الفرات كماركة فرنسية واضحة أنها لاتزال تعتبر ذاتها، لا بل وينظر إليها كالوصية على سوريا كما بريطانيا على العراق.

ومع مرحلة ما بعد القضاء على داعش انكشف النقاب أكثر عن مظاهر أخذت تبرز وبعناوين واضحة من خلال الدول الكبرى المنخرطة فيها مثل أمريكا وبريطانيا وفرنسا التي كان وفد لها قد أجرى قبل أيام / بحسب مصادر إعلامية كوردية / محادثات في قامشلو مع ممثلي الإدارة الذاتية حول ملامح المشروع بالكامل والذي يقضي بإنشاء منطقة إدارة ذاتية تشمل مناطق الشمال السوري / باستثناء عفرين / تدار من قبل مكونات المنطقة يترأسها مسيحي وتكون أنموذجاً لسوريا المستقبل، وتوفر لها كامل سبل الاستمراية والتقدم والبدء الفوري بمرحلة الإعمار.

ومن الطبيعي، ولبيان الجدية وتوفير أوسع بيئة للتشارك والنجاح، كان لا بد من السعي إلى توفير أجواء مصالحات بينية للمكونات ككل أو ضمن نطاقية الهوية الواحدة، ولعل أكبر العوائق هي ذلك الخلاف الكبير بين “تف دم” – حزب الاتحاد الديمقراطي، والمجلس الوطني الكوردي، وعلى هذا الأساس يستحضر كثيرون المصالحة التاريخية التي قامت بها مادلين أولبرايت وزيرة خارجية أمريكا بين الرئيس مسعود البارزاني والراحل مام جلال، وعلى هذا الأساس يسود الشارع الكوردي تفاؤل من الدعوات الموجهة للمجلس الوطني الكوردي الذي سيلبي وفد منه زيارات إلى كل من أمريكا وفرنسا وبريطانيا.

تلك المصالحة إن تمت ستعزز بالتأكيد وتزيد من زخم نجاح المشروع المزعوم، سيما أن ملامح الخريطة الجغرافية الموصوفة تشمل شرقي الفرات بدءاً من منبج غرباً لتصل إلى ديريك، حيث تتبع نهر دجلة إلى الحدود السورية العراقية وتتقاطع مع حوض الخابور إلى ضفة نهر الفرات الشرقية، وفي محاكاة حقيقية لخطة فرنسا الدولة المنتدبة وخارطة تقسيمها منذ ما يقارب القرن من الزمان.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عــن رأي Yekiti Media
مواضيع ذات صلة