أكذوبة الجمهوريات العربية

بهجت شيخو

إذا ما تمَّت قراءة مستعجلة لتلك الدول العربية ذوات الأنظمة الجمهورية، حتى تظهر الحقيقة المُرَّة التي عاشتها شعوبها المغلوبة على أمرها طوال فترة السنوات الطويلة من القمع المُنظـَّم والممنهج، وأبناء العروبة حالفهم حظهم السيء ليرددوا مرغمين عنهم وعن إرادتهم: بالروح.. بالدم نفديك يا قائد.

ولم يقتصر فقط التحكم الآلي لتلك الأنظمة في تسيير أفراد شعوبهم وحياتهم بل وصل الأمر بهم الى ضرب كل متمردي هذا النظام أو ذاك وقضوا نحبهم في غياهب السجون وأسقطت عنهم حتى هوية الوطن بعد الوفاة، وقد شمل عطفهم الدموي بالإضافة إلى الشعب العربي الشعوب والأقليات التي قدر لها الزمن أن تعيش ضمن الجمهوريات العربية كالكرد والأمازيغ وغيرهما.

وباختصار يمكن تسمية المد الزمني لامتداد الجمهوريات العربية بالوطن المفقود للإنسان والقانون معاً ويشهد في الكثير منها أو أغلبها حتى على المقابر الجماعية حيث لفظت المئات بل الآلاف من مواطنيها أنفاسها الأخيرة بإعدامات ميدانية ومع الأسف أقيمت لتلك المظاهر السيئة الصيت أحيانا الحفلات الدموية تتويجا ببقايا هياكل عظمية لآدميين قد ميزتهم المرحلة لأن يقولوا لا لعجرفة التاريخ وظالميه.

فمع بداية تسلط بعض ضباط العرب مقاليد الحكم وإعلان جمهورياتهم عن طريق الانقلابات العسكرية ونعتوها بمسميات بما يناسب مقاساتهم من الكلمات الفضفاضة كالعروبة ووحدة الأمة العربية وبالغوا لحد الثورية وجبهات الصمود والتصدي أمام العدو الغاشم (الإسرائيلي) أو الإمبريالية العالمية وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية.

كلّ هذه الجعجعات من الشعارات خلال فترة حكمهم لعلّ التاريخ أثبت فراغ محتواها وزيفها المتدني من الخطاب الاستهلاكي ليبرروا فقط تمسكهم بزمام السلطة والإبقاء على نهجهم العسكري المُستبـِد ليحكموا شعوبهم بقبضة من الحديد.

واستمرت مسيرة الجمهوريات العربية التي دامت لأكثر من نصف قرن في الحكم الاستبدادي والضغط الممنهج حتى عمَّ الفساد وأصبحت اغلبية شعوبها تعيش حياة بائسة، وارتفعت معدلات الفقر بشكل واضح كما رافقت جيل الشباب ظاهرة البطالة والكثير من المعوقات التي استحالت لها الحلول الجزئية.

كل تلك العوامل وغيرها ممن لم يتم ذكرها أدى إلى ما تـُسمّى الصحوة الشعبية وبدأت تلك الشعوب المقهورة تطالب ببعض الإصلاحات الدستورية والتنموية ولكنها جُـبـٍهتْ من قبل تلك الأنظمة بكلِّ مصادر القمع والإرهاب لديها وذلك بدلاً من الإخضاع لمتطلبات شعوبها وتحقيق بعض المكاسب.

وأخيرا لا بدَّ من التأكيد بأنَّ تلك الدول العربية ذات الأنظمة الجمهورية وبكل مسمياتها سواء القومية منها أو الثورية أو حتى الديمقراطية تتحمل وزر ما آلت إليها هذه البلدان وخروجها عن السيطرة وتدخل القوى الكبرى في تحديد مصيرها ليسقط عنها صفة الدولة كمنظومة مؤسساتية قد يحتاج بناؤها في نصف قرن آخر.

 

المقال منشور في جريدة “يكيتي” العدد 267

قد يعجبك ايضا