
أكذوبة وحدة الصف الكُردي: بين صراع الأحزاب والمتاجرة بالحقوق
عبدالحميد جمو
يطمح الإنسان فطرياً للعيش في جماعات تتوافق مع ذهنيته الحضارية المبنية على سمة العقل البشري؛ ذلك العقل الذي يهاب وحشة الجمود، وعزلة الوحدة، وخوف الفناء والإبادة. لذا، يسعى دائماً لبناء الأسرة، والعشيرة، والقبيلة ضمن كيان موحد ومتلائم.
إنّ مفهوم “الوحدة” ـ رغم محاولات تعقيده لتبرير الشتات والتفرقة إرضاءً لنفوسٍ اكتسبت صفاتٍ شاذة بعيدة عن القيم الإنسانية والأعراف المجتمعية ـ هو في جوهره مفهوم سلس وبسيط لا يستدعي كل هذا الحذر. وبجملة قصيرة: الوحدة هي الابتعاد عن المصالح الفردية، والسعي لوضع ركائز حقيقية وصلبة،غايتها النهوض والتقدم والتحرر من القيود التي تكبل التفكير السليم.
الدعوة لوحدة الصف ليست مطلباً جديداً؛ فمنذ الأزل والإنسان ينادي بها، وخصوصاً حين تتأزّم المواقف وتضيق بهم السبل، او يكون حجم الخطر الذي يحيط بالأمة أو الشعب اكبر من قدرة المرء على تجاوزه . وهنا تنكشف الأقنعة!؟، وتظهر الوجوه على حقيقتها!، تتحرّك النفوس الجشعةو تبدأ باستغلال الظرف، فتصبح “وحدة الصف” مجرد شعار موسمي فارغ من محتواه يُدرجه أدعياء السياسة جزافاً في خطاباتهم لـشحن العاطفة وتعبئة الجماهير لكسب الود و التأييد.
نحن هنا نقف أمام أزمة أخلاقية قبل أن تكون أزمة وطنية أو قومية، وتأثيرها أعمق بكثير من مجرد تشرذم حزبي.
لقد بات الحديث المتكرر عن تقارب الأقطاب الكُردية وتوحيد الموقف لا ينطلي على الشارع الكُردي الذي اكتوى بنار الشعارات الكاذبة؛ فخلف الكواليس تدور رحى معركة طاحنة لا صلة لها بالحقوق القومية، بل تتمحور حول تقاسم النفوذ، والاستئثار بالمناصب، والمتاجرة بآلام وتطلعات شعب بأكمله.
تعمل النخب السياسية والأحزاب المتصارعة على تحويل القضية الكُردية إلى ورقة ابتزاز سياسي، مستغلةً العاطفة الشعبية الجياشة والارتباط العميق بالهوية القومية. في هذا السياق، هنا يأتي دور الامبراطوريات الضبابية المبنية من سراب الأماني “الماكينات الإعلامية التي تعبد الحزب” لتلعب دوراً مشبوهاً في التلاعب النفسي بالمشاعر، عبر إطلاق شعارات رنانة تتحدّث رياءً عن “المصير المشترك” و”البيت الكُردستاني الواحد”، في محاولة بائسة لتغطية الفشل المستمر في تحقيق أي مكسب حقيقي. هذه الشعارات ليست سوى “إبر مورفين” مخدِّرة، تُطرح كلما لاحت في الأفق أزمة سياسية أو استحقاق جماهيري، لكنها سرعان ما تتبخر بمجرد تحقيق المكاسب الشخصية الضيقة.
يبدو المشهد السياسي الكُردي أشبه بحلبة صراع دائم بين الأقطاب والتيارات المختلفة، يغيب عنها المشروع القومي الجامع. هذا التنافس ليس تنافساً شريفاً ولا اختلافاً صحياً يهدف إلى الرقي بالقضية، بل هو صراع استحواذ ونفوذ. تكثر المبادرات وتتعدّد اللقاءات تحت يافطة “وحدة الصف”، لكنها غالباً ما تنتهي ببيانات خاوية ومحاصصات هشة؛ إنها “وحدة تكتيكية ظرفية” تتفكّك وتتحوّل إلى حرب إعلامية وتبادل للتهم بمجرد اصطدامها بأول اختبار حقيقي للمصالح.
في الوقت الذي تتعرّض فيه الساحة الكُردية لتحديات مصيرية وظروف معيشية واقتصادية بالغة الخطورة، تنصرّف الشخصيات السياسية و الاقطاب الحزبية للعراك على المكاسب الإدارية. ظناً منهم أنها مناصب سيادة تساهم في صقل شخصيتهم فقط، تحولت المناصب الحكومية إلى غاية بحد ذاتها، حيث يتسابق “تجار المصير الوطني” في تقديم التنازلات وتشكيل التحالفات المشبوهة، والتي تفضي إلى فقدان الهيبة القومية، وإضعاف التمثيل الكُردي، وضياع الجهد الدبلوماسي في المحافل الدولية.
من أكبر مآسي الواقع الكُردي المعاصر هو طرح الحقوق القومية في ميزان الرهان التجاري، وتحويلها إلى سلعة تُباع وتُشترى في بورصة التحالفات الإقليمية والدولية. تُستخدم حقوق الشعب الكُردستاني كورقة ضغط في الحسابات الدولية، وعندما يحين وقت قطاف الثمار، يتمّ التضحية بهذه الحقوق على مذبح المصالح العائلية أو الحزبية الضيقة. أثبتت التجارب أنّ استمرار احتكار القرار السياسي من قبل قوى تقليدية ترفض التنازل عن هيمنتها، يقف عائقاً أمام أي تطور ديناميكي أو نهضة قومية حقيقية.
سيبقى مطلب “وحدة الصف الكُردي” مجرد أكذوبة سياسية ما لم تقترن بإرادة حقيقية للتغيير، تتغلّب فيها المصلحة القومية العليا على الأنانية الحزبية.
لقد حان الوقت لكي يدرك المواطن الكُردي حجم الاستغلال الذي يتعرّض له، وأن يمارس دوره الرقابي والمحاسبي.
إنّ الصحوة الحقيقية تبدأ بكسر أغلال التبعية العمياء، وإدراك أنّ القضية الكُردية أكبر بكثير من أن تُختزل في تنظيم سياسي عابر أو تُرهن لزعامات فشلت على مدار عقود في رأب الصدع. إنّ الطريق إلى الحقوق لا يمرّ عبر المؤتمرات الشكلية، بل عبر بناء مؤسسات وطنية ديمقراطيةحقيقية تستمدّ شرعيتها من إرادة الشعب الحرة.
المقال منشور في جريدة يكيتي العدد “٣٤٥”






