آراء

أمة تجيد الرثاء وتقتل الأحياء

گولى عمر

أصبحنا…

كمَن يترك جاره يموت جوعاً على عتبة داره، فإذا مات، ذبح كلّ خرافه حزناً عليه، وأقام له مأتماً تُنفق فيه أموالٌ كانت تكفي لإحيائه دهراً.

أصبحنا نُتقن البكاء بعد فوات الأوان، ونُجيد رثاء ما قتلناه بصمتنا.

أصبحنا نُشيّع الفضيلة في جنازاتٍ فاخرة، بعد أن وأدناها أحياء في صدورنا.

نُعلّق صور الشهداء على الجدران، ونُصفق للجلاد إذا مرّ من الشارع.

نبكي على أطلال القيم، ونحن من هدمها حجراً حجراً بمعاول اللامبالاة.

نكتب القصائد في مدح الكرامة، ثم نبيعها في أول سوقٍ للمساومات.

أصبحنا نُطالب بالعدل في الميادين، ونظلم أبناءنا في البيوت.  نلعن الفساد على المنابر، ونسقيه بأيدينا في مكاتبنا.

نصرخ أنّ “الإنسانية ماتت”، ونحن مَن دفنّاها حية حين أدرنا وجوهنا عن يدٍ ممدودة، عن دمعةٍ مخنوقة، عن حقٍ يُسلب أمام أعيننا.

أصبحنا أسياد الرياء… نُوزع التعازي ببذخ، ونبخل بلقمة.

نُضيء الشموع للراحلين، ونُطفئ النور في وجه الأحياء.

نُقيم للميت تأبيناً تهتزّ له القاعات، ولو طرق بابنا حياً لما وجد منا إلا الباب الموصد والأعذار الجاهزة: “الظروف صعبة، والوقت ضيق، والحياة أولويات”.

المفارقة الموجعة أننا لم نعد نُميّز بين الحزن والحفل، بين الوفاء والاستعراض.

صار الموت مناسبةً اجتماعية لإثبات أننا “أصحاب واجب”، لا فرصةً لنراجع ضمائرنا: لماذا مات؟ ومن تركه يجوع؟ وأين كنا حين كان الصوت خافتاً والبطن خاوياً؟

أصبحنا نحتفل بذكرى مَن خذلناهم، ونُكرّم في غيابهم مَن لم نحترم حضورهم.

نذرف الدمع على قبورٍ حفرناها بتقصيرنا، وننسى أنّ قطرة ماء في الحياة أثمن من نهر دموعٍ بعد الممات.

فيا لخيبتنا…

صرنا نعيش ردات الفعل، لا الفعل. ننتظر الكارثة لنُصبح شُرفاء، وننتظر الجنازة لنُصبح أوفياء.  نُحب الضحايا أكثر وهم أموات، لأنّ الميت لا يُطالبنا بشيء، لا يفضح عجزنا، لا يُذكرنا بخذلاننا.

فمتى نُدرك أنّ الخراف التي نذبحها حزناً، كان يمكن لصوفها أن يُدفئه، ولحليبها أن يُحييه، ولثمنها أن يستر كرامته؟

متى نُدرك أنّ الوفاء الحقيقي لا يُقاس بعدد الذبائح، بل بعدد الأيادي التي مُدّت قبل أن يسقط الجسد؟أصبحنا… وما أصعبها من كلمة.

أصبحنا غرباء عن إنسانيتنا، لاجئين في زمن الشعارات، أيتام المعنى.

فإن لم نستفق قبل أن نصبح نحن “الجيران الجوعى”، سيأتي يومٌ يذبح فيه أحدهم خرافه كلها حزناً علينا… ونحن من علّمناه الطقس.

المقالة منشورة في جريدة يكيتي العدد 343

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى