أمريكا البراغماتية تخذل حلفاءها الكُــرد

مــروان عيدي

بعد أن بات الجميع على حافة الهاوية في سوريا، والكل بات خاسراً إلا تلك الدول التي نقلت صراعاتها الدولية والإقليمية إلى الداخل السوري منها بحجة مكافحة الإرهاب، ومنها تطبيقا لمشاريعها الطائفية، وأخرى بحجة المحافظة على أمنها القومي.

ثمة حقائق لابد من التذكير بها كونها نقاط الاستناد في أي موقف يتعلق بمناطق الشمال السوري، أو ما نسميه نحن كُـردستان سوريا حتى نتجنب جهل فئة، وسذاجة فئة أخرى، ونكسب تفهم البعض الآخر بعيداً عن التعصب القومي والطائفي طالما أن الجميع بات على حافة الهاوية.

أولى هذه الحقائق أن ثمة قضية، أو كما يحلو للبعض تسميتها مسألة كُـردية في سوريا ينبغي حلها في إطار عملية التغيير الديمقراطي التي نصبو إليها جميعا ولابد للجميع من الإقرار بالوجود القومي الكُـردي المتأصل في هذه البقعة الجغرافية المحكومة بالعيش، والمصير المشترك لجميع مكوناته فلا هذا الشعب بغرباء ولا هم دخلاء قدموا نتيجة هجرات عبر التاريخ، ولا بد أن يقتنع الجميع أن لا حل في سوريا دون حل القضية الكُـردية، وكل التصريحات العنصرية الصادرة عن الأطراف المختلفة للمعارضة بشقيها السياسي والعسكري، والذي ارتضى لنفسه التبعية لتركيا، وخدمة أجنداتها، والتي تستهدف أساساً الوجود القومي الكُـردي، وقضيته ومشروعه لسوريا المستقبل، فتخلت هذه المعارضة، وكتائبها المختلفة عن الأهداف التي انطلقت من أجلها أساساً الثورة السورية، وتخلت عن جبهاتها الرئيسية في مقارعة النظام في كل من ريف دمشق في الغوطة ودوما وإدلب، وتوجهت متقدمة الجيش التركي في احتلالها لعفرين، وأمعنت في المدينة، وشعبها الكُـردي، وأثخنت جراحهم، ونفذت مشاريعهم العنصرية بالتغيير الديموغرافي بتوطين مهاجري الغوطة ودوما في عفرين وريفها.

وفي الطرف الآخر كل الوعود المعسولة من التحالف الدولي برئاسة أمريكا لقوات سوريا الديمقراطية، وقوات الوحدات الشعبية تبينت أنها لا تعتمد على أي أساس سوى استخدامهم في محاربة الإرهاب، ومع قرب انتهاء مهمة هذه القوات نسمع تصريحات للرئيس الأمريكي بالانسحاب تارة، وضرورة تمويل بقاء هذه القوات لمن يريد بقائها، والتلويح باستقدام حليفتها فرنسا وقواتها إلى منبج وشرقي الفرات لتحل محل القوات الأمريكية، الأمر الذي يحتم على الجهة السياسية التي تنتمي إليها قوات الحماية الشعبية، وقسد إلى إعادة النظر في سياساتها التخوينية والإقصائية، وضرورة أن تعي أن حماية هذه المناطق لن تتحقق مالم تتحقق الوحدة الوطنية، وتوحيد الخطاب الوطني الكُـردي تحديداً، وتفهم مخاوف الجميع بمن فيهم السوريين، والدول الإقليمية التي تتحجج بمحاربتها للإرهاب بحجة وجود حزب العمال الكُـردستاني.

الثابت أن كل التضحيات التي قدمتها هذه القوات في حربها مع التحالف الدولي ضد الإرهاب لم تشفع لها بالانتقال من التحالفات العسكرية إلى الاتفاقات والعلاقات السياسية، لأن الانفتاح الأمريكي على هذه القوات اصطدم مع مشكلة موضوعية، وهي العلاقات التاريخية مع تركيا، ودور تركيا الجيوسياسي في الصراع الدولي، وتحديداً مع روسيا وإيران.

حاولت أمريكا جاهدة حل هذه الإشكالية على مبدأ التوافق والاحتواء المزدوج، وهو ما فشلت به حتى الآن.

والثابت في الأمر لم تعد أمريكا(ترامب و أوباما) أمريكا(جورج الأب والابن) وهي تتنازل على مضض للقوى الأخرى الفاعلة وفي إطار هذه التنازلات لابد لها أن تضحي بأضعف حلفائها كونها دولة براغماتية، وعاجزة في أحيان أخرى، والتلويح بالورقة الفرنسية يأتي بعد الإصرار التركي على اجتياح الشمال السوري، والغاية منها توسيع دائرة التوتر والحرب فحدث توتر في العلاقات الفرنسية التركية وكذلك الفرنسية الروسية والعلاقات التركية الإيرانية وكذلك ازدياد الشرخ القومي بين الكُـرد والعرب.

كل ذلك يشير إلى الفشل الأمريكي في سياساتها في المنطقة الأمر الذي يدعونا إلى التخلي عن القناعة القائلة بأن أمريكا يمكن أن تساعدنا في مشروعنا القومي، وأيضا التخلي عن الرأي القائل بأن أمريكا قادرة على فرض استراتيجيتها ومشروعها بمعزل عن الدول الأخرى الفاعلة في المنطقة وإنها ستبدي مصلحة الشعب الكُـردي، وتتخلى عن حلفائها الاستراتيجيين الآخرين، ولابد على ضوء ذلك الانتقال إلى الحل السياسي، وطالما أن الحلول سياسية، وتتوفر الإرادة لدى الجميع فإن الكل قادر على تثبيت حقوقه المشروعة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عــن رأي Yekiti Media
مواضيع ذات صلة