آراء

إسرائيل وتركيا ولعبة عضّ الأصابع: من يصرخ أولًا؟

دلشاد بشير ملا

أقدمت إسرائيل على كسر أحزمة النار التي كانت تحيط بها، لتدمّر ما بنته إيران على مدار عقود. كانت إيران تسعى إلى أن تكون لاعبًاً محوريًا لا يمكن تجاوزه في المنطقة، لكن كل هذا المشروع انهار، ومعه ضاعت المليارات التي كانت قد أُنفقت على إنشاء شبكة من التحالفات بين عواصم طهران، بغداد، دمشق، وبيروت.

ما حدث ،بعد حرب أكتوبر، لم يكن مجرد رد فعل عسكري، بل كان بمثابة إعادة تشكيلٍ لمنظومة الردع التي حرصت إسرائيل على بنائها عبر السنوات، مع إضافة جملة صارت تُرددها كعادتها على لسان قادة إسرائيل: “نحن نغيّر الشرق الأوسط”. هذه الجملة، التي تحوّلت إلى واقع، نراها اليوم تتحقّق على الأرض.

الهجوم الذي شنّه نتنياهو، بدعم دولي، بدأ ككرة ثلج تقتلع الجذور التي دأب على جزّها لسنوات طويلة. فبعد حماس، جاء دور حزب الله، ثم كان النظام السوري.

هذه الكرة التي انطلقت لن تتوقف، بل ستستمرّ في التدحرج، لترجمة هذه الانتصارات العسكرية إلى مكاسب سياسية واقتصادية.

إعادة إيران إلى حدودها الجغرافية الطبيعية لن تكون إلا من خلال تفكيك جميع أوراقها السياسية والعسكرية. وتعمل إسرائيل على خلق طوق من النار حول إيران، في محاولة لتقليص نفوذها إلى الحد الأدنى، مما يفرض عليها أن تقتصر على استخدام قوتها ضمن حدودها. وستتبع إسرائيل في ذلك سياسة ملء الفراغات، سواء بالقوة الخشنة أو عن طريق تحالفات سياسية قوية.

الكرة التي انطلقت مع حرب أكتوبر 2023 ستكبر وتُبلور شرق أوسط جديد. وحتى تستقرّ الأمور في هذا السياق، لا بدّ من إعادة رسم الخرائط السياسية في المنطقة.

هذه الخرائط، التي وُضعت ،منذ مئة عام ، عبر اتفاقية سايكس بيكو، أثبتت فشلها بشكل قاطع. الأنظمة التي حكمت المنطقة، رغم محاولاتها المتكررة، لم تتمكّن من بناء شعوب قادرة على التعايش أو على إنتاج ديمقراطية حقيقية. وبذلك، كانت هذه الأنظمة مجرد “براميل بارود” تتفجر مع أدنى شرارة.

وفي المقابل، يبقى هناك المشروع التركي، الذي يتقاطع مع بعض الخطوط العربية، في محاولة للحفاظ على التقسيمات مع بعض التعديلات. المبادرة التركية الأخيرة، التي طُرحت على أنها “عملية سلام” لحل القضية الكُردية، تأتي في هذا السياق.

بحكم مؤسسات الدولة التركية من الجيش والمخابرات والدبلوماسيين، أيقنت أنقرة الخطر، فسارعت الخطى لصدّ التغيرات، وإيقاف متلازمة أحجار الدومينو. فإن كانت قد فشلت على مدار أكثر من قرن من الزمان في إنهاء القضية الكُردية، كان عليها إنهاؤها بطريقة أخرى وعلى مقاييسها. بخلاف ذلك، سيأتي الحل بتأثير الحراك الإقليمي من دون مفر، لكن من دون شك سيكون بشكل لا يُرضيها أبدًا. فكانت ما يسمى بـ”عملية السلام”، وفي هذا السياق طالب زعيم حزب العمال الكُردستاني الحزب بالتخلي عن السلاح، والتركيز على دمقرطة تركيا من الداخل.

هنا نرى تصادمًا واضحًا بين مشروعين:

الأول، المشروع الإسرائيلي الذي يسعى إلى “تغيير وجه الشرق الأوسط”.

والثاني، المشروع التركي الذي يحاول الحفاظ على التقسيمات القائمة مع بعض التعديلات.

لكن لن ينجح أي مشروع يسعى إلى تجاهل الحقوق الطبيعية لشعوب المنطقة وإرادتها، ولن تعود هذه الشعوب لتجربة مئة عام أخرى من الخرائط غير المتجانسة، والتي تعمل حتى ضد منطق وقوانين الطبيعة.

الوعي الصاعد للشعوب اليوم لا يمكن تجاوزه، ولا يمكن فرض إدارات وأشكال حكم من دون منحهم حق الحوكمة وإدارة أنفسهم في دول لا مركزية، فدرالية وكونفدرالية.

التغيرات الكبيرة، والتي ستكبر كلما تدحرجت، لن تكون من دون تواجد فعّال ومؤثر للكُرد. الكتلة البشرية الأكبر بلا كيان سياسي مستقل، لا يمكن تهميشهم في أي صيغة مستقبلية للمنطقة.

إقامة كيان كُردي، أو مجموعة كيانات كُردية، سيكون خطوة نحو تشكيل حاجز طبيعي بين الفرس والترك والعرب. كما سيكون هذا الكيان عنصرًا لفصل خطوط النار بين السنة والشيعة، وبالتالي سيكون له دور أساسي في تحقيق مرحلة من السلام والازدهار التي ستنعكس على الجميع.

الركض وراء مشاريع تجميلية، دون ضمانات حقيقية أو حقوق قومية واضحة، لن يؤدّي إلى نتائج حقيقية. الحل المستدام هو تشكيل كيانات سياسية تعكس اللامركزية، وتتيح لكل شعب أن يدير شؤونه بيده، لتكوين علاقات طبيعية تساهم في بناء اقتصادات متكاملة، وأخوّة حقيقية قائمة على الندية والعدالة.

إنّ الشرق الأوسط لا يحتاج إلى المزيد من محاولات التجميل على جراحه، بل هو بحاجة إلى جراحة حقيقية، تُعيد ترتيب عناصره وفقًا للعدالة والتوازن، مع الاعتراف بالهويات والحقوق الطبيعية لكل شعب.

الصراع اليوم لم يعد صراعًا بين جيوش وحدود، بل بين مشاريع وجودية تتنافس على رسم خريطة جديدة للمنطقة. مشروع يسعى لتفكيك القيود، وآخر يعمل على الإبقاء على النظم الحالية.

ستنهض المنطقة، لا عندما يُفرض مشروع على آخر، ولكن عندما يُمنح كل شعب الحق في أن يكون كما هو، لا كما يريد الآخرون أن يكون. وفي الوقت الذي ستستمرّ فيه لعبة عضّ الأصابع، قد تكون الصرخة الأولى من يملك الشجاعة في مواجهة الواقع.

المقال منشور في جريدة يكيتي العدد “335”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى