إعادة رسم الخرائط تقلق الأتراك أيضا

«داعش» تسيطر على جزء كبير من الأراضي السورية ووسط العراق ومثلث الحدود التركية – السورية – العراقية المشترك.
«داعش» تتحكم في مناطق بلاد ما بين النهرين، أي إن المناطق الوسطى من مياه نهري دجلة والفرات تحت هيمنتها. وهي تتحكم أيضا في آبار النفط المهمة في سوريا والعراق، أي إن مصادر الطاقة الرئيسة في البلدين تحت تصرفها اليوم.
الأراضي التركية بأكملها تقع ضمن خارطة «الدولة الإسلامية» التي أعلنتها «داعش» أخيرا بعد انتصاراتها السريعة في العراق.
كيف ستتصرف أنقرة إذا ما استفقنا في الصباح الباكر – وكما حدث في الموصل مثلا – على نبأ اختراق مجموعات «داعش» القتالية الأراضي التركية في مناطق الحدود السورية – التركية المشتركة الواقعة في جنوب تركيا والقريبة من مدن ماردين وأورفا وغازي عنتاب، أو الحدودية المشتركة في مثلث الجزيرة بين سوريا والعراق وتركيا؟
«داعش» لن ترتكب خطأ مميتا من هذا النوع، لأنها تعرف أنه سيكون القشة التي تطيح بها وتترك الأتراك أمام خيار «اللاحول ولا قوة»؛ تدخل عسكري مباشر في سوريا والعراق، وهو ما عجز النظام السوري عن تحقيقه رغم العشرات من المحاولات الاستدراج التي قام بها في السنوات الثلاث الأخيرة. التدخل التركي المباشر سيعني تدخلا إيرانيا من الجانب الآخر لاستغلال الفرصة باسم المالكي وحكومته، ويعني أيضا تحرك قوات البيشمركة الكردية بتشجيع ودعم من الغرب لتطويق مجموعات «داعش»، وإنهاء الحلم الذي لم يستمر أكثر من أشهر.
إذا لنناقش سيناريو آخر.. كيف ستتصرف حكومة «العدالة والتنمية» إذا ما اقترحت عليها «داعش» مثلا تسليمها إدارة الأماكن التي سيطرت عليها في سوريا والعراق وطالبتها بضمها إلى الأرضي التركية، والتحرك في إطار توسيع رقعة الخلافة، وإعلان الدولة الإسلامية فوق كل هذه المناطق ما دامت إسطنبول كانت تاريخيا مقر آخر الخلفاء، وهي تضم قصر «طوب قابي» حيث توجد الأمانات المقدسة.. والأقربون أولى بالمعروف؟
تصور خيالي آخر ومستبعد لن ترضى به تركيا قبل غيرها، لأنه سيطيح بكل ما بنته من منظومة علاقات إقليمية ودولية، وتحديدا غربية مع «الناتو» مثلا.
طرح ثالث، حدود «داعش» المعلنة متداخلة ومتشابكة، لا بل هي نفسها أراضي الدولة الكردية الكبرى التي بدأ مسعود بارزاني يذكر باقتراب الوقت لإعلان ساعة الصفر من أجلها. المواجهة شبه حتمية إذن بين قوات «داعش» والأكراد، وهما لن يقبلا بأي تحاصص ظرفي حتى ولو أصرت عليه أنقرة. فإلى أي جانب ستنحاز تركيا؟ هل ستتغاضى حكومة إردوغان عن مواجهة لا بد منها، وتحاول اصطياد عصفورين بحجر واحد؟
الجواب هو عند واشنطن مباشرة التي تحذر يوميا من خطورة مشروع «داعش» الإقليمي، لكنها لم تقبل للحظة واحدة بمسؤوليتها ودورها في إيصال الأمور إلى هذه النقطة عندما رفعت شعار «الشرق الأوسط الجديد» ودعمت الانتفاضة الكردية في العراق وسوريا، ورحبت بثورات الربيع العربي، وهي تعرف أنها ليست نزهة وستتحول عاجلا أم آجلا إلى «فوضى خلاقة» دفعتها للجلوس ومفاوضة إيران على مسار ومستقبل الخرائط الجديدة في المنطقة.
خارطة «الشرق الأوسط الجديد» قد تتضح أكثر بعد إعلان نتائج هذا الاقتتال، الذي لا مفر منه والذي يريده الأكراد لأكثر من سبب؛ ومن هذه الأسباب: اختبار قدراتهم العسكرية والقتالية على الأرض في أول امتحان لهم أمام جماهيرهم والرأي العام العالمي، ولأنها معركة إثبات وجود وحماية حدود بالنسبة لأربيل التي تتطلع لأبعد من ذلك في السنوات المقبلة، ولا بد أن تدفع ثمنا أو توحد القوى الكبرى من خلفها مجددا.
وهي تضرب على الوتر الحساس في الغرب؛ مشروع التصدي للإرهاب والتطرف والتشدد، ولقطع الطريق على أي تردد أو ارتباك تركي في موضوع الخيار بين أربيل و«داعش»، وإثبات أن الأخيرة هي الورقة الخاسرة إقليميا ودوليا.
وهو الاقتتال الذي لن تتهرب منه «داعش» أيضا: لأنها تعرف أن هدنتها مع الأكراد لن توفر لها الكثير، بل على العكس ستعطي الفرقاء الآخرين الفرص والوقت لتوحيد صفوفهم وشن الحرب النهائية ضدها.. ولأنها تعرف أن الأكراد هم الحلقة الأضعف أمام مشروع التوسع الذي لن تتراجع عنه بعد هذه الساعة، ولأن إزالة «العقبة» الكردية ستفتح الأبواب أمامها على وسعها للتمدد السريع شمالا فتجاور تركيا في أكثر من مكان.. وهي رسالة متعددة الجوانب للأتراك؛ أهمها تهديد الأمن التركي الإقليمي والاستقرار الداخلي وتعزيز منظومة الدفاع والتيقظ الدائم لمنع الاختراقات التي لا بد أن تحدث بين الحين والآخر.
احتجاز المواطنين الأتراك باسم «داعش» هل هو رسالة إيرانية أم أميركية لتركيا والأكراد على السواء، لتعطيل التقارب بين أنقرة وأربيل بسبب ابتعاد الجانبين عن «بيت الطاعة» الأميركي أولا، ثم توجيه رسالة إيرانية غربية لتركيا لتراجع مواقفها في الموضوع السوري مستفيدة من الدرس العراقي ثانيا؟
لا ضرر في التكرار أن لائحة المتضررين من الانفتاح الأميركي – الإيراني الإقليمي ستطول، لكنها ستكون أولا على حساب تركيا وإسرائيل والأكراد، ما دامت طهران تعرض تقديم خدماتها في بقعة جغرافية واسعة تشمل سوريا والعراق ولبنان مثلا.
«تحية» إسرائيل نفسها لأربيل أخيرا دليل على أنها غاضبة. تسخين الأوضاع في المدن الفلسطينية القابعة تحت الاحتلال ورقة أخرى تلعب على الطاولة في هذه المنازلة.
أنقرة بين نارين؛ إغضاب بعض سنة العراق إذا ما حرمتهم من ورقة «داعش»، وحساباتها مع أربيل قد تنقلب رأسا على عقب إذا ما نجحت «داعش» في اختراق وتهديد مناطق النفوذ الكردي. لا مفر من المواجهة بين «داعش» والأكراد، وتركيا ستجد صعوبة في الوقوف على الحياد في منازلة من هذا النوع، وخيارها لا بد أن يكون واضحا.
أنقرة تلقت ضربة قوية في العراق أمام قواعد «العدالة والتنمية» وأمام حلفائها التركمان هناك، ولن ينقذها رمي الكرة في ملعب الآخرين والاكتفاء بتوصيف ما يجري على أنه تحرك للرد على الصعود الإيراني الإقليمي والتقارب بين واشنطن وطهران.
حكاية الشاب الذي اصطحب صديقا ليكون إلى جانبه مع أول فنجان قهوة مع فتاة معجب بها، شبه معروفة.
الشاب جلس طيلة اللقاء لا يقول أي شيء، بل يتأفف ويتألم ويتصبب عرقا، ويقوم بحركات عجيبة غريبة أغضبت الفتاة ودفعتها لإنهاء العلاقة قبل أن تبدأ ودون أن تعرف أن السبب الحقيقي هو الحذاء الضيق، الذي اشتراه على عجل قبل اللقاء. لكن مشكلة الفتى الحقيقية كانت في اليوم التالي عندما وجد صديقه والفتاة يسيران يدا بيد بعدما حرمه الحذاء من هذه الفرصة. الغضب والانفعال والتوتر الأخير في علاقات تركيا بجيرانها لا بد أن تزيله أنقرة بأسرع ما يكون، وربما نقطة البداية هي تغيير الحذاء الذي يؤلم أصابع الأرجل.
إعادة التموضع التركي باتت شرطا، والرسائل المشفرة لن تكفي بعد هذه الساعة.

تمت قراءتها 1075 مرة

قد يعجبك ايضا