
احتمالات الحرب والسلام في المنطقة
فرحان مرعي
تُعدّ مقومات الحرب والاقتتال في المنطقة متجذرة وعميقة في البنية الاجتماعية والدينية والثقافية والسياسية.و يمتدّ تاريخ الصراعات والحروب في منطقتنا – التي تشمل شبه الجزيرة العربية، بلاد الشام، العراق، تركيا، وبلاد الفرس – لأكثر من ألف وأربعمائة عام. ولن نخوض في تفاصيل هذا التاريخ الطويل وحروبه، إذ إنّ ذلك يحتاج إلى مجلدات وجهود كبيرة، ولسنا بصددها في هذا المقال المستعجل. لكن من الجدير بالذكر أنّ المقومات السابقة لا تزال موجودة، وتتجدّد وتنتعش كلما سنحت الفرصة، كما لو أننا نعايش معارك الجمل والصفين والخوارج، وغيرها.
تلبس هذه الصراعات دوماً لبوسًا دينيًا وعقائديًا مشبعًا بالأيديولوجيا المتزمتة، وصراعًا بين شعوبٍ تُعتبر نفسها “شعوب الله المختارة”، وعلى الأماكن المقدسة والجغرافيا التي وُصفت بأنها من رسم إله السماء. لكن في الجوهر، هو صراع على السلطة و الثروات .
الواقع الذي أمامنا غامض ، ولا يوحي بأي سلام حقيقي ومستدام، بل سلام هشّ قد ينهار في أي لحظة. وهذا ما يراه البعض في اتفاقيات السلام بين إسرائيل والفلسطينيين، أو اتفاقيات أبراهام مع بعض الدول الخليجية. كذلك، الحروب الأهلية والطائفية في سوريا، العراق، اليمن، ولبنان تؤثّر على الأمن والاستقرار في المنطقة. ولا ننسى الصراعات العرقية في تركيا، إيران، والعراق، التي تنتج عن القمع الممارس ضد الكُرد وقوميات أخرى في هذه الدول.
رغم محاولات مشاريع السلام التي تتكرّر هنا وهناك، إلا أنها تنهار سريعًا عند أول شرارة، أو رصاصة طائشة في الهواء!
الواقع الحالي، والنزاعات على الأرض ، لا يوحي بالتفاؤل، فمشاريع السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين منذ نصف قرن، ظلّت دوماً على شفير الحرب، وحرب غزة مثال صارخ على ذلك. الأزمة السورية تدخل مرحلة أكثر تأزماً بعد سقوط حكم آل الأسد، وكل الأبواب مفتوحة لاندلاع حرب أهلية طائفية جديدة نتيجة انتشار فصائل دينية متطرفة على ثلثي مساحة سوريا.
لبنان أيضًا لا تهدأ فيه الحرب، فرغم الضربة الموجعة التي تلقّاها حزب الله من إسرائيل هذا العام، يرفض الحزب نزع سلاحه لصالح الدولة اللبنانية، مما يمهّد الأجواء لاندلاع حرب في أي لحظة بين الأطراف المتعددة. وفي العراق، الأصابع على الزناد، والانسحابات الأمريكية من بعض قواعدها تجاه كُردستان تشير إلى احتمالات حرب ضد الفصائل المحسوبة على إيران.
في إيران، صرّح الرئيس الإيراني مؤخرًا بأنّ هناك محاولات لتمزيق بلاده، والجولة الثانية من الحرب مع إسرائيل محتملة، في ظل تراجع مفاوضات الملف النووي الإيراني بعد الضربة الإسرائيلية الأخيرة في يونيو الماضي. أما في تركيا، فتتفاعل القضية الكُردية كما لو كنا في أعوام العشرينيات من القرن الماضى عند انهيار السلطنة العثمانية وبداية تكوين الجمهورية التركية، إنّ مشاريع السلام وتهديدات الاجتياح لشمال شرق سوريا ما تزال على الطاولة معاً.
ولا نذهب أبعد من حدود هذه الدول، إلى السودان، اليمن، وليبيا، حيث تُشير الوقائع إلى أنّ الدول الكبرى التي تدير الأزمات في المنطقة تفضّل أن تبقى شعوبها متقاتلة ومتناحرة حتى تتعب وتُرهق، لتسهيل عملية التقسيم وتوزيع النفوذ.
على المدى المنظور، لا توجد بوادر حلول سريعة وسلمية وسياسية لأزمات المنطقة. فموضوع توازن السلام والحرب في الشرق الأوسط معقد ومتعدد الأبعاد، مرتبط بالدين، الجغرافيا، السياسة، والاقتصاد، ويتطلب حلولًا جذرية تبدأ من الفكر والتعليم وتنتهي إلى السياسة والإقتصاد مروراً بتجديد الفكر الديني وتحريره من السلفية الأصولية المتزمتة، وحلّ مشكلة القوميات ولا سيما الكُردية والفلسطينية، وإقامة أنظمة سياسية ديمقراطية ووطنية تواكب التطور الحضاري والمدني في العالم، بالإضافة إلى إنهاء التدخلات الخارجية.
وبالطبع، هذا يحتاج إلى زمن ليس بالقصير، ستدفع فيه شعوب المنطقة خلاله مزيدًا من الدماء، وستعاني مزيدًا من الآلام والكوارث.
المقال منشور في جريدة يكيتي العدد “336”






