آراء

اضطهاد السوريين والتحالف مع مضطهدي ذويهم

بقلم : المهندس عبدالله كدو
أكثر من نصف قرن هو عمر مطالبة الأنظمة الشمولية المتعاقبة ، أبناء وبنات سوريا بالتصدي للعدو الخارجي بشقيه ، المحتل للأرض والمتدخل في شؤون البلاد .
أما ( المتدخلون ) فهم قائمون ، ماثلون أمام أنظار السوريين ، بشكل دائم ، في الخطاب الإعلامي الرسمي ، الذي ترفده أقلام جديدة تتظاهر بالحياد ، لكنها من صلب نسيج الماكينة الإعلامية الرسمية للنظام ، مثل ناصر قنديل البرلماني اللبناني و مصطفى بكري محرر جريدة الأسبوع المصرية وغيرهما .
كان الإعلام السوري الرسمي يطالب المواطنين بالاستنفار المستمر والوقوف بالمرصاد ضد إسرائيل المحتلة و(حلفائها من العرب ودول الغرب ) وغيرهم ، ذلك بعد أن عمل النظام على تسويق انطباع بأن لديه إحساس دائم بالمراقبة والإيحاء بأن لديه شعور متورم بالعظمة ، لما يمتلكه من نوع فريد في الإدارة والسياسة والفكر، ما يستوجب على السوريين والعرب والمسلمين الحفاظ عليه – النظام – فهو(المعادل النوعي) لتطلع العرب للحرية والكرامة القومية ، فيما تضطرب أركانه أمام مقال أو تصريح حرّ لمواطن غير مدجّن .
كانت النشرات الصباحية الرتيبة تُلقى على أسماع العسكريين ، تطالبهم بالجاهزية القتالية والتصدي لأي هجوم وشيك ، فيما الجنود كانوا غارقين في همّ ذويهم المكتوين بنار الفقر والبطالة ، كانوا يعيشون الحرمان في ثكناتهم ، يعانون التسلط وعيونهم وأفواههم متجهة صوب ذويهم المضطرين لإعالتهم ما استطاعوا،على حساب لقمتهم ، حيث كانت تكاليف خدمة عسكري ليست بأقل من تكاليف دراسة طالب جامعي خارج منطقته ، في أجواء شحّ مخصصات العسكريين والفساد المستشري في الجيش ، و تسلط المحسوبين الذي بلغ درجة اقتطاع هذه المخصصات الضئيلة أصلا لحسابهم .
كان الإعلام الرسمي يُطلع السوريين على أوضاع جيش العدو من تدريبات ومناورات وغيرها ، ويطلق الوعيد باسترداد كل شبر من الأراضي المحتلة ، في وقت يبحث فيه المواطنون السوريين عن فرصة عمل لديهم في أية بقعة من العالم ، حتى لو كانت في جزيرة بروناي التي أقدم الآلاف منهم على تنظيم أوراق السفر إليها قبل نحو ربع قرن ، بعد قراءة شروط القبول ونشرة التعريف بالجزيرة التي تكثر فيها الغابات والوحوش المفترسة التي تفتك بالبشر في حالات كثيرة .
إذا ما بلغ الشعب السوري هذه الدرجة من الاستعداد والسعي لمغادرة أراضيه (المحررة )، فما هي درجة تمسكه بأراضيه المحتلة ضمن الظروف الاقتصادية الاجتماعية والسياسية السائدة التي يتحمل النظام القسط الأكبر منها ؟.
لقد كانت كلمة ( فيزا ) أكثر الكلمات تداولاً في سورية ، وكان الخروج من البلاد حلم معظم الشباب وغيرهم من المهنيين والمثقفين في سوريا ، وأحيانا من السياسيين الذين كان قد تسرب اليأس إلى نفوس البعض منهم أيضاً ، ليروا بأن السعي للتغيير في سورية ضرب من العبث ، و أن سورية قلعة سحرية ، لا يخضع التغيير فيها لعلم السياسة وإنما للقدر.
إن وقوف السوريين في انتظار التغيير منذ 22 شباط 1958 ترك لديهم آثارا نفسية ، تستدعي معالجتها الكثير من الجهد والوقت .
أما عن مشاريع التنمية الاقتصادية وزيادة الرواتب و دعم المحاصيل الزراعية ودعم صندوق الصحة والتعليم ومكافحة البطالة التي تم تغيير اسم هيئتها أخيرا إلى الهيئة العامة للتشغيل ، تجنبا للتذكير بالبطالة ، التي كان يتهرب النظام عن مواجهتها بشكل مباشر، فلم تسمع الجماهير عنها سوى شائعات عن وعود مستقبلية في رأس الشهر ثم في رأس السنة ثم في ذكرى تنصيب الرئيس ثم . . . . الخ ولكن كانت ( تمر الليالي وليس للنفع موضع ) .
إن المواطنين السوريين الذين كانوا يعيشون في جوّ من الفوضى ، حيث غياب القانون والقضاء المستقل وتفشي نزعة الولاءات التقليدية الضيقة ، أصبحوا متقوقعين في أضيق دوائر الولاء (العائلة والعشيرة والمذهب و…) ، ومع سيادة الأوضاع الداخلية المزرية ، كان النظام يتخبط في رسم السياسة الخارجية أيضا في سياق غير متجانس البتة ، ضاربا عرض الحائط آداب تعامل الحكومات مع شعوبها ، فالشعب السوري الذي يتكون من القوميتين الأساسيتين العربية والكردية إضافة إلى القوميات الأخرى ، كان يصطدم بسياسة النظام الخارجية ، بعد أن اكتوى بنار سياسته الداخلية ، فتعزيز العلاقات مع تركيا خلال العقد الأول من القرن الحالي ، التي طالما اتهمها النظام باحتلال جزء من البلاد – لواء اسكندرون – ومناطق أخرى ، حسب المادة السابعة من دستور البعث
( الوطن العربي هو هذه البقعة من الأرض التي تسكنها الأمة العربية والتي تمتد ما بين جبال طوروس وجبال بشتكويه وخليج البصرة والبحر العربي وجبال الحبشة والصحراء الكبرى والمحيط الأطلسي والبحر المتوسط ) .
تركيا التي كانت متحالفة مع إسرائيل ، و التي كانت تضطهد العرب البالغ تعدادهم عدة ملايين في تركيا و تضطهد الكرد البالغ تعدادهم نحو عشرين مليون نسمة هناك أيضا، في تناقض فظ مع المادتين 23 و 25 من دستور البعث ( يناضل العرب بكل قواهم لتقويض دعائم الاستعمار والاحتلال ….. إن السياسة العربية الخارجية تستهدف إعطاء صورة صحيحة عن إرادة العرب بأن يعيشوا أحرارا وعن رغبتهم الصادقة بأن يجدوا جميع الأمم تتمتع مثلهم بالحرية ) .
علما أن النظام كان يدعم العرب في تركيا وقرأنا ملصقات للجبهة الشعبية لتحرير تركيا في شوارع المدن السورية في تسعينيات القرن الماضي ، وكذلك كنا نسمع من مثقفي النظام وسياسييه مواقف مناوئة للنظام التركي و مؤيدة للشعب الكردي في تركيا و لحزب العمال الكردستاني pkk الذي كان وجوده في سوريا آنذاك علنياً .
وكذلك يستمر النظام في التحالف مع النظام الإيراني الذي يحتفظ بجزر أبو موسى والطنب الكبرى والصغرى وعربستان التي قرأنا عن احتلالها في المناهج الدراسية التي يشرف عليها البعث ،ذلك النظام الذي يحرم الشعب الكردي البالغ تعداده نحو عشرة ملايين نسمة من حقوقه القومية في إيران ويمارس بحقه – إلى جانب الشعوب الإيرانية الأخرى – شتى صنوف الاستبداد.
إن عقلية النظام القائمة على التبجح بالغيرة القومية ، للتغطية على تنصله من دفع الاستحقاقات الوطنية ، جعلته يطبّل ويزمّر لما سمّاها ( الثورة العربية الإريترية )، وبلغ دعمه لها من العلنية درجة توزيع بطاقات مباريات فريقها الرياضي في المدارس السورية ، بعد إلقاء مقدمات تشجيعية من قبل الموجّهين البعثيين ، بأن ريعها إنما يصرف لشراء طلقات التحرير للثوار، لكنها – أريترية – بعد أن نالت استقلالها رفضت الانضمام إلى جامعة الدول العربية ، لتقول للنظام بأن التغني بالعروبة ليل نهار لدرجة ادعاء انتساب الناس لها دون علمها ، هو أحد مرتكزات الفساد في مؤسسات حزب البعث الذي يحتاج للتغني بالعروبة تطبيقاً للخطاب السلطوي القائم على ذر الرماد في عيون الجماهير التي تتطلع للتخلص من الجوع قبل التفكير بالسياسة .
إذا كانت السياسة الداخلية للنظام قد أوصلت الجماهير إلى هذه السوية من الفقر والتهميش ، وسياسته الخارجية ضربت عرض الحائط مصالح ومشاعر أبناء جلدتها في تركيا وإيران ، أين تبقى مصداقية النظام و رعايته المزعومة لمصالح الناس ، في الداخل أم في الخارج ، وهل الحقائق الجغرافية والتاريخية المرتبطة بشخصية الأمم وكرامتها تخضع للمصالح الشخصية أو الفئوية الآنية أو غيرها دون الوطنية ؟.
أخيرا ، توصل السوريون لنتيجة مفادها لا سياسة خارجية ناجحة بدون سياسة داخلية ناجحة ، وهذه الأخيرة مرهونة بوجود سلطة تشريعية منتخبة من الجماهير، تراقب السلطة التنفيذية وتحقق استقلالية القضاء ، وعليه لا بد من تغيير شامل ، لأن الترقيعات الجزئية تهترأ قبل أن تستعمل .
[email protected]

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى