آراء

الأتفاق الكردي – الكردي بين الوسطات البارزانية والدولية

عبدالغني علي يحيى
في أواسط الستينيات من القرن الماضي، شهد العالم الثالث على وجه الخصوص انشقاقات بين احزابه، ولم يكن العراق بمعزل عن تلك الظاهرة، فلقد أنشقت الاحزاب الرئيسية: الديمقراطي الكردستاني والشيوعي العراقي والبعث الأشتراكي على نفسها، وبأستثناء الديمقراطي الكردستاني فان الحزبين الآخرين، مع الفارق بينهما لم يتمكنا من القضاء على الانشقاق في صفوفهما، والشيء نفسه انسحب على معظم الاحزاب التي عانت من الانشقاقات في ذلك العالم. أما لماذا شذ الديمقراطي الكردستاني عن تلك الأحزاب في معالجة الانشقاق الذي دب فيه عام 1966 بنجاح فالفضل يعود الى دهاء وحكمة الراحل مصطفى البارزاني الذي بعث بنجله المرحوم ادريس البارزاني الى لندن التي كان يتواجد فيها قائدا الانشقاق جلال الطالباني والمرحوم ابراهيم أحمد، وتكلل المسعى البارزاني بالنجاح واعيدت الوحدة الى الديمقراطي الكردستاني.
وفي اواسط الثمانينات من القرن الماضي، نشب صراع دموي بين الأتحاد الوطني الكردستاني وبقية الاحزاب الكردستانية: الديمقراطي الكردستاني والشيوعي والأشتراكي وباسوك والشعب والذي دام نحو 3 سنوات إلى انتهى عام 1987 نتيجة للجهود التي بذلها ادريس البارزاني الذي لم يقضي على الصراع في الصف الكردي فحسب، بل أنه تمكن من تأسيس الجبهة الكردستانية التي ضمت في صفوفها 7 أحزاب كردستانية، وفي حينه لقب ادريس البارزاني من قبل الرئيس جلال الطالباني بمهندس الجبهة الكردستانية ولقد استحق البارزاني ادريس ذلك اللقب بجدارة.
وفي عام 1994 شهدت كردستان العراق صراعاً دموياً بين الحزبين: الديمقراطي والوطني الكردستانيين والذي استمر إلى عام 1998 ورغم الجهود والمساعي الكبيرة التي بذلها مسعود البارزاني لاجل تجاوز الصراع الذي نجم عنه ظهور ادارتين في القسم المحرر من كردستان العراق. فأنه لم يتمكن من اصلاح دات البين بين حزبه والاتحاد الوطني وسنذكر السبب لاحقا، إلى ان تدخلت الولايات المتحدة التي توسطت بينهما ونجحت وساطتها في حل الصراع يوم 17/9/1998 واذكر الاشارة الآمرة للسيدة مادلين أولبرايت للبارزاني والطالباني لكي يتصافحا ويتصالحا.
ان السبب الرئيسي في اخفاق الوساطة البارزانية لأنهاء الاقتتال الداخلي بين الديمقراطي والاتحاد الكردستانيين هو تحول الأدراتين الكردستانيتين الى ما يشبه دولتين، الأمر الذي تطلب تدخلاً ووساطة دولية لحل الخلاف بينهما، ويبدو أن الخلاف بين الدول أو شبه دول: اربيل والسليمانية، يستدعي وساطة دولية لا حزبية داخلية او اي جهد داخلي اخر.
وفي هذا العام 2015 أطل صراع من نوع جديد بين الديمقراطي الكردستاني وبين الاحزاب الرئيسية في كردستان العراق وهي: الاتحاد الوطني الكردستاني وحركة التغيير والاتحاد الأسلامي الكردستاني والجماعة الأسلامية بخصوص اعتماد النظام الرئاسي الذي يتمسك به الديمقراطي الكردستاني والنظام البرلماني الذي يتمسك به منافسوه الأربعة لانتخاب رئيس لكردستان العراق، علماً ان جميع المساعي التي نفذها البارزاني لغرض حل الخلاف بين حزبه والاحزاب الأربعة الاخرى بالرجوع الى مبدأ التوافق اخفقت، ويساور القلق الجميع في كردستان من مغبة ان يتكلل الصراع الحالي بحرب داخلية على غرار الحرب التي وقعت عام 1994 وما يترتب عليها من انشقاق يعيد بنظام الادارتين الى اقليم كردستان.
ان السبب نفسه الذي وقف وراء اخفاق الرئيس مسعود البارزاني في حل خلافه مع الطالباني طوال الحرب التي استغرقت 4 سنوات 1994-1998 يقف اليوم وراء الصراع بين حزبه والاحزاب الكردستانية الاربعة الاخرى، لأن الصلح الذي تم بين البارزاني والطالباني عام 1998 لم يتمكن من القضاء بالمرة على نظام الادارتين أو شبه الدولتين. ويتبين ان الصراع الحالي بين الديمقراطي الكردستاني ومنافسيه الاربعة اقوى بكثير من الصراع الذي وقع بين الديمقراطي والوطني الكردستانييين بين اعوام 1994 و 1998 بدليل ان اكثر من 60 اجتماعاً عجز عن حل الاشكال بين الجانبين. وكما نعلم فأن قوى دولية عرضت وساطتها للتقريب بين الجانبين وهي: امريكا وبريطانيا والامم المتحدة وكذلك كل من فرنسا وايران وتركيا، هنا يتبادر سؤال وهو لماذا نجحت الوساطة الامريكية لوحدها من حل الازمة بين البارزاني والطالباني عام 1998، واخفقت جهود اكثر من دولة اضافة الى جهد un من حل الخلاف بين الديمقراطي الكردستاني والاحزاب الاربعة الاخرى؟
ان الجواب على هذا السؤال هو كالاتي: ان الخلاف الذي سوي بالوساطة الامريكية عام 1998 كان بين الحزبين الرئيسيين الديمقراطي والوطني الكردستانيين، اما الخلاف الان فهو متعدد، ناهيكم عن تعددية في الولاءات الدولية لهذه الاحزاب، ما يعني انه يجب والحالة هذه توسط الدول الداعمة لطرفي النزاع واقولها بصراحة الغرب وايران بدرجة رئيسة عليه لامناص من توافق غربي ايراني بهدف الوصول الى حل للخلاف الكردي – الكردي، فلكلا هذين الطرفين: الغرب وايران نفوذهما على الاحزاب الكردية.
لن يكون بوسع الغرب لوحده من تقريب الفرقاء الكرد من بعضهم بعضاً كما لن يكون بوسع ايران لوحدها من حل الخلاف موضوع البحث والتي حاولت منفردة لأنجازه. علماً ان التمسك بالمطالب والمواقف من جانب الاطراف الكردية سيوصل طرفي الصراع الى نقطة اللارجعة عن القطيعة، وعند تلك النقطة فأن تخلي اي طرف من طرفي النزاع عن مطلبه وموقفه سيتسبب في نكسة كبيرة له نكراء. ان الحوار والجلوس على طاولة المفاوضات بين الاطراف الكردية يتواصل ولكن وسط تمسك طرفي الصراع بمواقفها ما يعني انهما يتقدمان بخطى سريعة باتجاه نقطة اللارجعة عن القطيعة التي يستفيد منها محتلو كردستان الكبرى وحدهم ويتضرر منها الشعب الكردي فقط وفي حال اتفاق المجتمعين من الاحزاب الخمسة يوم الاحد 30-8-2015 وبجهد كردي – كردي فعندي ان ذلك بمثابة معجزة .
ونعود الى الوساطات البارزانية التي تراجعت عن فاعليتها بعد قيام نظام الادارتين وظهور ما يشبه دولتين كرديتين في كردستان العراق، ومع هذا فان الوساطة البارزانية لحل الخلافات الكردية – الكردية ما زالت تحتفظ بحيويتها وضرورتها. ويعلق الكرد أمالا عريضة عليها، ففي عام 2007 توسط البارزاني وحزبه بين جناحي الحزب الديمقراطي الكردستاني الايراني بهدف احلال التفاهم والوئام بينهما وبحسب قائد كردي ايراني في مكالمة مع كاتب هذا السطور قبل ايام، ان الوساطة البارزانية بالرغم من عدم تمكنها من اعادة الوحدة الى الحزب المذكور لكنها خففت الى حد كبير من الازمة بينهما، وقال لي القائد الكردي الايراني، ان التاريخ يشهد للبارزاني بالجرأة والشجاعة حين دعا جناحي الحزب المذكور للاجتماع في اربيل، غير مبال بردود الفعل الايرانية. المناهضة لاي تقارب بين الاحزاب الكردية الايرانية.
وفي عام 2013 استطاع مسعود البارزاني من تسوية الخلافات بين الاتحاد الديمقراطي الكردي في سوريا وبين المجلس الوطني الكردي السوري وذلك في اجتماع باربيل عقد لهذا الغرض، وبفضل الوساطة البارزانية تلك فان الحركة القومية الكردية في سوريا تقدمت كثيرا وساعد على تقدمها تقديم حزب البارزاني لمعونات لوجستيه سخية الى تلك الحركة ناهيكم عن دعمه العسكري لها والذي تمثل في ارسال قوة عسكرية مجهزة باحدث الاسلحة الى كوباني عبر تركيا، وفي العام نفسه ادت الوساطة البارزانية بين تركيا وحزب العمال الكردستاني دوراً هاماً في اقناع الطرفين بالدخول في عملية سلمية لانهاء الاقتتال الداخلي بين الجمهورية التركية وبين حزب العمال الكردستاني، ولقد درت الوساطة البارزانية بالربح للطرفين المتصارعين: تركيا وpkk. وكانت سببا من الاسباب التي جعلت من كرد تركيا ان يتقدموا بشكل مدهش في الانتخابات البرلمانية التركية لهذا العام 2015.
سيظل الكرد بحاجة ماسة الى الوساطة البارزانية مثل حاجتهم الى الوساطات الدولية، وان أي تقارب بين الدول المحتلة لكردستان والفصائل الكردية التي تناضل ضدها الان أو في المستقبل فان الحاجة الى الوساطة البارزانية تظل قائمة لأي اتفاق بين تلك الدول و كردها.
[email protected]

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى