آراء

الأحداث الساخنة في المنطقة: بين ميزان القوى وإدارة القلق

صباح حمدو

لا يمكن قراءة الأحداث الساخنة في المنطقة بوصفها انفجارات معزولة أو أزمات طارئة. ما يجري هو نتاج مسار طويل من اختلال ميزان القوى، تُدار فيه الصراعات بدل أن تُحل، ويُدار القلق الشعبي بدل أن يتحول إلى قوة سياسية فاعلة.

الدول الإقليمية تتحرك اليوم تحت شعار “حماية الأمن القومي”، لكن هذا الشعار غالبًا ما يخفي عجزًا داخليًا أكثر مما يعبّر عن تهديد خارجي. أزمات الشرعية، الاقتصاد، والهوية داخل هذه الدول جعلت من التدخل والتصعيد والتموضع الخارجي وسائل للهروب من الاستحقاق الداخلي. الأمن هنا لا يُنتَج بقدر ما يُستخدم خطابًا لتبرير الحركة.

في المستوى الأعلى، لا تسعى القوى الدولية إلى تسويات نهائية، فهي لا ترى مصلحة في إنهاء الصراع، ولا رغبة في انفلاته الكامل. لذلك تُدار المنطقة ضمن معادلة دقيقة: توتر دائم بلا حسم، وفوضى مضبوطة بلا انهيار. هذا الشكل من الإدارة يحافظ على النفوذ، ويُبقي الجميع داخل دائرة الحاجة إلى الوسيط الدولي.

نتيجة هذا الترتيب هي حالة قلق مزمن تعيشها الشعوب. قلق يولده الاستنزاف الطويل حين تطول الأزمات دون أفق، ويولده الخوف من الانفجار المفاجئ حين تصبح كل الاحتمالات مفتوحة.

غير أنّ هذا القلق، رغم عمقه، لا يُسمح له بأن يتحول إلى وعي منظم أو فعل سياسي مستقل، فالقوى الكبرى لا تكتفي بمنع التنظيم، بل تمنع شروطه: المساحة، الزمن، والشرعية.

في هذا الفراغ السياسي تحديدًا، يظهر عامل بالغ الخطورة: صعود القوى الراديكالية.

هذا الصعود ليس سبب الأزمة، بل أحد أعراضها. الراديكالية تنمو حين تُغلق السياسة، وحين تفشل النخب التقليدية في تقديم مشروع قابل للتصديق. هي لا تقدّم حلولًا، لكنها تمنح يقينًا حادًا في زمن شكّ، وبساطة عنيفة في واقع معقّد.

الأخطر أنّ هذه الراديكالية لا تُواجَه دائمًا بوصفها خللًا يجب معالجته، بل تُستَثمر بوصفها فزّاعة تُستخدم لتبرير القمع وإغلاق المجال العام، وإعادة تعريف أي مطالبة سياسية بوصفها تهديدًا أمنيًا، وهكذا يدخل المشهد في حلقة مغلقة: قمع يولّد تطرفًا، وتطرف يبرّر مزيدًا من القمع.

ضمن هذا السياق، تبرز القضية الكُردية بوصفها حالة كاشفة لا هامشية، فهي ليست مجرد مطلب حقوقي داخل دولة، بل مسألة تاريخية تتعلق بالأرض والهوية والوجود السياسي، لطالما جرى التعامل معها كورقة ضغط في توازنات إقليمية ودولية، لا كقضية تستحقّ حلًا عادلًا. وما يُقدَّم غالبًا كعائق داخلي، مثل الانقسام، ليس سوى ذريعة تخفي السبب الأعمق: الخشية من اختلال ميزان القوى القائم.

تقسيم كُردستان لم يكن حادثًا عرضيًا، بل قرارًا واعيًا لحماية هذا الميزان. فقيام كيان كُردي فاعل كان سيعيد فتح أسئلة الحدود والشرعية في منطقة بُني استقرارها الهش على التجاهل والقمع.

واليوم، ومع تصدّع المنظومات القديمة، تعود هذه الأسئلة إلى الواجهة، لكن في بيئة أكثر تعقيدًا، حيث يتقاطع الرفض الإقليمي مع ازدواجية دولية، ومع خطر اختطاف القضايا العادلة من قبل التطرف.

القضية الكُردية لم تعد هامشية، ولا يمكن تجاهلها. ما تحقّق على الأرض، وما تراكم من تجربة ووعي، يجعل المستقبل مسألة صبر واستراتيجية، لا صدفة. حين تتغيّر موازين القوى، سيكون للكُرد موقع شريك، لا مجرد متفرج، ولن يكون لماضي التقسيم القدرة على العودة.

المقال منشور في جريدة يكيتي العدد “340 – 341”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى