آراء

الاختفاء القسري… صرخات بلا صدى

بقلم المحامي : اكرم شمو

يشكّل الاختفاء القسري واحدة من أبشع الجرائم التي عرفها العصر الحديث، إذ يستهدف الإنسان في وجوده وفي إنسانيته، فلا يكتفي الفاعل بحرمان الضحية من حريته بل يتعمد إخفاء مصيره ومكان وجوده، ليبقى معلقاً بين الحياة والموت. هذه الجريمة تتجاوز الفرد لتضرب العائلة والمجتمع معاً، فهي تحرم الأهل من حق المعرفة وتزرع الخوف والقلق والانتظار الذي لا نهاية له.

من الناحية القانونية، يُعرَّف الاختفاء القسري وفق الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري لعام 2006 بأنه الاعتقال أو الاحتجاز أو الاختطاف على أيدي موظفي الدولة أو أشخاص يتصرفون بدعمها أو بموافقتها، مع رفض الاعتراف بحرمان الشخص من حريته أو إخفاء مصيره.

وفي هذا السياق، يختلط على الناس في كثير من الأحيان معنى الاختفاء القسري مع مفاهيم أخرى قريبة منه، لكن القانون الدولي والإنساني يميز بين هذه الحالات بشكل واضح:

الاختفاء القسري: هو الاحتجاز أو الاختطاف الذي يجري على أيدي سلطات الدولة أو جماعة مسلحة تتصرف كسلطة أمر واقع، مع إنكار وجود الشخص أو حجب مصيره. جوهر الجريمة هو الإخراج المتعمد للضحية من حماية القانون، وترك العائلة في جهل ومعاناة.

المفقود: هو الشخص الذي تنقطع أخباره ولا يُعرف مكانه أو ما إذا كان حيًا أو ميتًا، دون دليل على أن جهة ما قامت باحتجازه. وغالبًا ما يرتبط ذلك بظروف الحرب أو الكوارث أو النزوح.

المخطوف: هو من يُحتجز من قبل جهة غير رسمية كعصابة أو أفراد، عادة بقصد الفدية أو المكاسب الخاصة. هذا الفعل جريمة جنائية، لكنه لا يصبح اختفاءً قسرياً إلا إذا ارتبط بسلطة رسمية أو أمر واقع منظم.

السجين: هو من صدر بحقه حكم قضائي من محكمة مختصة، ويقضي عقوبته في مؤسسة عقابية معترف بها، مع تمتعه بالضمانات القانونية.

المعتقل: هو من يُحتجز لأسباب سياسية أو أمنية أو إدارية من قبل الدولة أو سلطة الأمر الواقع، مع وجود اعتراف رسمي باحتجازه في مكان معين، حتى لو كان الاعتقال تعسفيًا أو مخالفًا للقانون.

الفارق الجوهري إذن أن الاختفاء القسري يجمع بين الاحتجاز غير المشروع والإنكار المتعمد للوجود أو للمصير، وهو ما يجعله أخطر وأشد وقعًا من غيره، لأنه يضع الضحية خارج حماية القانون، ويحيل العائلة إلى رهينة دائمة للانتظار والشكوك.

ولأن خطورة هذه الجريمة تتجاوز حدود الأفراد، فقد خصصت الأمم المتحدة يوم 30 آب/أغسطس من كل عام يوماً دولياً لضحايا الاختفاء القسري. في هذا اليوم تُرفع أصوات الضحايا وعائلاتهم، وتُذكَّر الحكومات بالتزاماتها القانونية والأخلاقية، كما تتجدد الحملات الحقوقية للمطالبة بكشف الحقائق وضمان العدالة. لقد أصبح هذا اليوم مناسبة للتضامن الدولي، ووسيلة ضغط مستمرة لتقوية القوانين الوطنية وتجريم الفعل وضمان عدم الإفلات من العقاب.

غير أن المعضلة الأبرز اليوم تتمثل في الأقاليم التي تغيب عنها سلطة الدولة المركزية، وتبرز فيها جماعات مسلّحة تمارس الحكم وتدير شؤون الناس بقوة السلاح وتفرض نفسها كسلطات أمر واقع. هذه الجماعات، عندما تمارس الاعتقال والإخفاء، تُرتكب أفعالها في نظر القانون الدولي ضمن إطار الاختفاء القسري، خاصة إذا امتلكت أجهزة أو هياكل شبيهة بمؤسسات الدولة. فالقانون الدولي الإنساني ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لا يعفيان هذه الكيانات من المسؤولية، بل يعتبرانها خاضعة للمساءلة إذا مارست الاختفاء بشكل واسع أو منهجي.

تُجسّد الحالة السورية أوضح مثال على ذلك. فمنذ اندلاع النزاع عام 2011، ارتكبت سلطات الدولة وجماعات المعارضة المسلحة وتنظيمات متشددة، إضافة إلى سلطات أمر واقع محلية، انتهاكات واسعة شملت آلاف حالات الاختفاء القسري. تقارير أممية وثّقت هذه الوقائع، مؤكدة أن الاختفاء بات أداة للترهيب والسيطرة السياسية والاجتماعية. إن قصص السوريين المختفين لا تعد ولا تحصى، لكنها جميعاً تلتقي عند وجع عائلات تنتظر الحقيقة، وتعيش في دوامة من الأمل والخوف.

حقوق الضحايا وذويهم في هذا السياق واضحة ومكرّسة في القانون الدولي. فللضحايا الحق في معرفة الحقيقة، والحق في العدالة، والحق في جبر الضرر المادي والمعنوي. كما للعائلات الحق في الحصول على المعلومات ومساءلة المسؤولين، والتمتع بتدابير تضمن عدم تكرار هذه الانتهاكات مستقبلاً. وهذه الحقوق ليست شعارات، بل التزامات قانونية على عاتق الدول والسلطات الفعلية والمجتمع الدولي ككل.

في النهاية، يبقى الاختفاء القسري جريمة لا تسقط بالتقادم، وصوت الضحايا لا يمكن أن يُدفن بالصمت. إن واجب المجتمع الدولي والإقليمي والوطني هو أن يواصل الضغط لكشف مصير المختفين، وتحقيق العدالة، وإنصاف العائلات التي تنتظر منذ سنوات. إن إحياء اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري ليس مجرد مناسبة رمزية، بل هو دعوة متجددة لرفض النسيان، وتأكيد أن كرامة الإنسان ستبقى فوق كل سلطة وفوق كل سلاح.

٣٠ اب ٢٠٢٥

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى