آراء

الاسم “سوريا” أقدم من العروبة السياسية

ماهر حسن

يأتي سبب كتابتي لهذا المقال كردٍّ على ما أصبح حديث الساعة اليوم: محاولة فرض كلمة “عربية” على اسم سوريا، وكأنها صفة جوهرية لازمة لهويتها. وهي محاولة تغفل التاريخ الممتدّ والهوية الثقافية المتعددة لسوريا عبر آلاف السنين.

سوريا لم تُعرف يوماً بهوية أحادية، وفرض كلمة “عربية” على سوريا اليوم يعكس رغبة في تزوير وتلفيق الحقيقة وتغييب التعقيد الذي ميّز هذه الأرض، وكأنه يمكن تقليص آلاف السنين من التنوع الثقافي إلى بُعدٍ واحد فقط.

سوريا لم تكن يوماً “عربية” بالمعنى السياسي القومي الحديث قبل القرن العشرين، وفي يومنا هذا لا يحتاج المرء إلى جهدٍ كبير لمعرفة الحقيقة، وما يثير الدهشة حقاً هو كيف يحاول البعض تحريفها وتقديمها بصورٌ لا تمتّ للواقع بصلة.

والوعي بهذه الحقيقة ليس شأنًا محدودًا لفئة بعينها، بل لكل من يسعى لفهم سوريا كما هي حقًا: أرض ذات جذور تاريخية عميقة، شاهدة على حضارات متعاقبة، ويحمل اسمها في طياته شهادة على هذا التنوع قبل ظهور الانتماءات القومية الحديثة.

لطالما كان اسم “سوريا” شاهداً على تاريخ طويل ومعقد يمتدّ لآلاف السنين، بعيداً عن أي تأثيرات قومية حديثة.

والاسم نفسه أقدم بكثير من العروبة السياسية التي ظهرت في القرن العشرين، وهو مرتبط بالجغرافيا والتاريخ والثقافات المتعددة التي نشأت على هذه الأرض. يُرجّح أن أصل الاسم يعود إلى كلمة “آشور”   (Assyria)، التي كانت تطلق على مناطق في شمال بلاد الرافدين، ثم توسع استخدامه لاحقاً ليشمل كامل بلاد الشام في العهدين اليوناني والروماني. وقد استخدم الإغريق اسم “Συρία” (Syria) منذ القرن الخامس قبل الميلاد، أي قبل ظهور العرب كقومية بفترة طويلة، ما يؤكّد أنّ الاسم كان تعبيراً عن هوية جغرافية وحضارية قبل أي انتماء قومي حديث.

خلال العصور الهلنستية والرومانية والبيزنطية، كانت البلاد تعرف رسمياً باسم “سوريا”، ولم يكن هذا الاسم مرتبطاً بأي طابع قومي عربي. بل كان يعكس تعدد الثقافات واللغات والشعوب التي سكنت هذه المنطقة، بما فيها الآراميون والآشوريون والفينيقيون واليونانيون وغيرهم. ومع الفتح العربي الإسلامي في القرن السابع الميلادي، بدأ استخدام مصطلح “بلاد الشام” للإشارة إلى المنطقة، وبقي هذا الاسم مستخدماً حتى العصر العثماني، مع استمرار اللغة العربية كلغة سائدة، دون أن يمسّ الاسم التاريخي “سوريا” نفسه. في القرن التاسع عشر، ومع نهضة الفكر القومي الحديث، عاد استخدام اسم “سوريا” ليحمل بعداً سياسياً، وليصبح رمزًا للهوية الوطنية الحديثة، بعيداً عن أي فرضية قومية أحادية.

ما يدهش حقًا هو أنّ كتب تاريخ سوريا تعترف بعظمة الحضارات التي نشأت على هذه الأرض، لكن فجأة تُحصر كلها ضمن إطار العروبة، بعد ظهور الفكر القومي الحديث، وكأنّ آلاف السنين من لغات وثقافات وحضارات اختزلت في تصنيف واحد، متجاهلة بذلك ثراء التاريخ وتنوعه الفريد.

أما على صعيد الدولة الحديثة، فقد أعلن عن أول كيان سياسي مستقل بعد الحرب العالمية الأولى باسم “المملكة السورية”، وعندما أصبح الملك فيصل في الحكم، أضيفت كلمة “العربية” لأسباب سياسية، خلال فترة محددة، لتأكيد البعد القومي العربي في سياق التحولات الإقليمية آنذاك.

ومن هنا، فإن كلمة “العربية” لم تكن جزءاً من الاسم التاريخي لسوريا، ولم تحمل أي صفة جوهرية للهوية السورية عبر العصور، بل كانت إضافة سياسية لحظة زمنية محددة.

وبعد عام 1920، ومع انتهاء عهد الملكية، تمّ إعلان الجمهورية السورية، بعد الاستقلال عن الانتداب الفرنسي، وعُرفت البلاد باسمها الجديد رسمياً، دون أي إضافة قومية. ومع مرور الوقت والتحولات السياسية في منتصف القرن العشرين، أضيفت كلمة “العربية” إلى اسم الجمهورية لتصبح “الجمهورية العربية السورية”، كخيار سياسي يعكس الانتماءات القومية المعاصرة في المنطقة، وليس كجزء أصيل من التاريخ أو هوية سوريا المتجذرة عبر الحضارات المتعاقبة.

إنّ استحضار هذه الحقائق التاريخية ليس مجرد تمرين أكاديمي، بل ضرورة لفهم سوريا كما هي: أرض امتدّت عليها الحضارات، واحتضنت شعوباً وثقافات متنوعة، واحتفظ اسمها عبر العصور بشهادة صادقة على هذا التاريخ الطويل.

وأيو محاولة لتقييد هذا الاسم بتصنيفات قومية حديثة تمثّل اختزالًا للتاريخ وتشويهاً للهوية الحقيقية لسوريا، التي هي أكبر من أي تصنيفٍ أحادي.

سوريا، بتاريخها وتراثها، تعلّمنا أنّ الهوية لا تُصاغ بالقوالب السياسية المؤقتة، وأنّ فهمها يتطلّب نظرة تتجاوز الانتماءات الضيقة لتصل إلى جوهرها العميق والمتعدد الأبعاد.

إنّ الحفاظ على هذا الوعي ليس واجباً على فئة معينة، بل على كلّ مَن يريد أن يعرف الحقيقة ويقرأ التاريخ كما هو، بعيداً عن المزاعم والاختصارات التي تقلّل من قيمة هذا الإرث العظيم.

سوريا ليست مجرد اسم سياسي، بل قصة حضارة طويلة، شاهدة على تنوع وثراء ثقافي امتدّ عبر آلاف السنين، وقيمتها تكمن في هذا التاريخ الذي يسبق أي تصنيف حديث، ويجعلها أرضاً استثنائية في وجدان التاريخ والإنسانية.

المقالة منشورة في جريدة يكيتي العدد 338

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى