آراء

الثقافة بين الغياب والتهميش في الصحافة الكَردية الحزبية.

كردستان يوسف

لم يعد خافياً أنّ مساحة الثقافة في الصحف الصادرة عن الأحزاب والتيارات السياسية الكُردية في سوريا قد تقلّصت إلى حدود التهميش، ففيما تزخر الصفحات الأولى والعناوين العريضة بتفاصيل الحياة السياسية اليومية وتحليلاتها، بالكاد تجد صفحة ثقافية واحدة، وغالباً ما تأتي شاحبة، خالية من الروح النقدية، مجرد “استكمال شكلي” لا يقدّم فكراً ولا يصنع تغيراً، فأين النقد الأدبي الجاد؟ أين متابعة الإصدارات الفكرية ومراجعة الكتب؟ أين القصة القصيرة والشعر الذي يلامس هموم الناس؟ والأهم أين المثقف العضوي الذي طالما نظر إليه غرامشي بوصفه ذلك الصوت المرتبط عضوياً بمجتمعه، القادر على تحويل الهموم اليومية إلى وعي نقدي، وليس مجرد ناقل للمعرفة أو مزين للصفحات؟

هذا الانكماش ليس مجرد خيار تحريري عابر، بل هو قطيعة مقلقة مع التاريخ نفسه، فمنذ تأسيس الحركة الكُردية في سوريا عام 1957، وعلى الرغم من التراجيديا المستمرة، حيث حُرم الكُردي من ممارسة لغته وحقوقه الثقافية والسياسية تحت هيمنة نظام البعث الشوفيني، لعبت الصحافة الحزبية دوراً ضيقاً نتيجة إمكانياتها المتواضعة وضيق مساحة انتشارها ، تتعلق بعوامل الملاحقة و الحياة السرية للأحزاب الكُردية، ورغم ذلك كانت تلك الصحف نوافذ حقيقية في زمن العتمة، لم تكتفِ بنقل الأخبار السياسية، بل أسهمت فعلياً في تشكيل شرائح مثقفة وواعية، وخلقت ذائقة رصينة لدى القارئ العادي، وجسرت الهوة بين النخبة والجمهور، في ذلك الوقت كان التثقيف الأيديولوجي جزءاً أصيلاً من رسالة الصحيفة، ولم تكن الثقافة مجرد “ملحق” هامشي، بل كانت الشرط الضروري لممارسة سياسة حقيقية، وهنا تكمن المفارقة الكبرى التي نعيشها اليوم، ففي مرحلة تاريخية يُكتب فيها على الشعب الكُردي أن يكون منغمساً في السياسة حتى النخاع، سواءً في صراعه من أجل الحقوق أم في سعيه لتثبيت الحقوق المشروعة في دستور البلاد، وهنا نكتشف محاولة إفراغ السياسة من محتواها الثقافي والحقوقي العميق، ولهذا نكاد لا نجد على صفحات اغلب صحف الحركة الكُردية سوى خطاب سياسي جاف، يلهث وراء الحدث العابر، عاجز عن ربط التحولات الراهنة بسياقاتها التاريخية والفكرية من وجهة نظر ثقافية، فإنه لا سياسة حقيقية دون ثقافة عميقة، ودون إنصات لصوت المثقف المجتمعي.

قد يحتج البعض بأنّ مجلات ثقافية متخصصة صادرة عن مؤسسات في روج آفا، مثل “شرمولا” و”سيوان” وغيرهما من المجلات الأدبية أو بعض الصفحات في الصحف الكُردية، كافية لسدّ هذه الثغرة، لكنّ هذه الحجة تتجاهل جوهر المشكلة، فالصحيفة السياسية الدورية، سواءً أكانت شهرية أو نصف شهرية تصل إلى شرائح مجتمعية أوسع وأكثر تنوعاً من الشريحة التي تهتم بالمجلات الشهرية أو الفصلية، فالجريدة بطبيعة بنيتها تحمل رسالة سياسية وفكرية يُفترض أن تكون متكاملة، وإنّ إهمال الثقافة داخل هذه الصحف لا يعني فقط الإضرار بالمثقفين ودفعهم إلى الهامش، بل هو فصل متعمد للسياسة عن سياقها الاجتماعي والثقافي، وإنتاج قارئ مهتم بالخبر الزائل فقط، غير قادر على تفكيكه أو ربطه بجذوره الثقافية والتاريخية الأعمق.

بهذا المعنى، تصبح السياسة عرجاء تسير على قدم واحدة وربما تسير أيضاً بعين واحدة، وتتحوّل الصحيفة من فاعل في تشكيل الوعي العام إلى مجرد ناقل سلبي للأخبار.

تكمن الأهمية الاستراتيجية للصفحة الثقافية في الصحيفة الحزبية في كونها ذلك الجسر الحيوي بين الهم العام (السياسي) والهم الخاص (الإبداعي والثقافي) إذ كيف يمكن مناقشة قضايا الوطن والشعب الكُردي ومستقبله دون فهم حركة الفن والأدب التي تعكس نبض الشارع وتطلعاته الخفية؟ وكيف نتابع الصراعات السياسية بعيداً عن الرؤى والأسئلة التي تنتجها الثقافة؟

إنّ صحافةً تهمش الثقافة تقدّم سياسة بلا روح، وأخباراً بلا عمق، والأخطر أنّ هذا التقصير يترك الساحة خاوية أمام ضجيج وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تغيب معايير النقد وأخلاقيات الحوار، وحيث تنتشر الآراء العشوائية والترويج غير الموضوعي، وهنا تكمن المسؤولية التاريخية للصحافة الحزبية الرصينة في إنقاذ الخطاب العام من الرداءة، واستعادة المثقفين من حالة التهميش، وإعادة إنتاج مادة إعلامية قادرة على خلق وعي نقدي.

تتضاعف هذه المسؤولية في سياق روج آفا الراهن، حيث ننشد بناء “سوريا جديدة” قائمة على التنوع والتعدد والاعتراف بلغته وثقافته ووجوده كشعب اصيل وليس كمجتمع اصيل كما يروج إعلامياً.

في هذا السياق تحديداً، ظهرت أصوات ثقافية وسياسية تدرك أنّ الثقافة هي نقطة الاستناد الأساسية لأي ممارسة سياسية حقة.

إنّ الثقافة المغايرة التي تُنتج ثقافة الانتماء والتعدد اللغوي والجرأة في نقد التاريخ والطرح الجديد، تحتاج إلى منابرها الرئيسية في قلب الصحافة الحزبية، وخاصةً ضمن الظروف الحالية حيث غياب الرقابة القمعية بشكلها السابق ، وهو ما يمثّل فرصة هامة ينبغي استثمارها لاستبدال الخطاب السياسي الجاف بحوارات فكرية وأدبية جريئة، تليق بمخاطر المرحلة.

لهذا فإنّ الدعوة تتجه بقوة إلى الصحافة السياسية والحزبية لإعادة الاعتبار للصفحة الثقافية، ليس كمساحة إضافية أو “موديل” شكلي، بل كحيز استراتيجي أوسع وأكثر تنوعاً، يعكس الحراك الفكري والأدبي والفني بجدية وعمق، ويتفاعل مع القضايا المجتمعية المحيطة تفاعلاً حياً. إنها دعوة لاستعادة دور الصحيفة كرقيب وموجه للذائقة العامة، عبر نقد رصين ومنصف لكل ما يحدث، وزيادة مساحة الثقافة في كل منبر إعلامي للوصول إلى إعلام قادر على صنع حوار بين الأجيال والتوجهات الفكرية المختلفة، فالصحيفة التي تتخلّى عن ثقافتها، تتخلّى عن جزء أساسي من رسالتها السياسية في بناء مواطن واعٍ وإثراء الفضاء العام، واستعادة هذا الدور ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة ملحة لحماية المشروع القومي وتعميق جذوره في الوعي المجتمعي.

 

المقال منشور في جريدة يكيتي العدد “٣٤٤”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى