
الحرب الإيرانية: حين ينتصر الجميع… ولا يُحسم شيء
دلشاد بشير ملا
وقفت الحرب، وأعلن كل طرف انتصاره. أمريكياً يبدو الانتصار واضحاً : لن تمتلك إيران سلاحاً نووياً، ولن تستطيع إغلاق المضيق مجدداً، كما ستسلّم اليورانيوم المخصب وتقدّم تنازلات كبيرة فيما يخصّ برنامجها النووي.
إسرائيلياً، يبدو المشهد مشابهاً؛ إذ تتباهى بتصفية قيادات الصف الأول والثاني، مع الإبقاء على بعضهم—بشفاعة أمريكية—لضمان وجود من يمكن التفاوض معه، كما وجّهت ضربات موجعة لما يُعرف بـ“درة تاج المقاومة”، إلى جانب استهداف الحشد الشعبي.
أما إيران، فبدورها تعلن الانتصار؛ إذ حافظت على النظام، نظام “ولاية الفقيه”، واحتفظت بقدراتها الصاروخية والمسيرات، وتمكّنت من خنق العالم لما يقارب الشهرين، وهزّت أركان كبرى الاقتصادات، وناورت تحت ضغط غير مسبوق لإنقاذ ما تبقّى من إيران وحزب الله.
وبقدر ما يتباهى الجميع بالانتصارات، كانت تجربة الحرب قاسية على كلّ الأطراف، دفعتهم—مرغمين—نحو الهدنة والتفاوض. لم يكن ذلك انطلاقًا من قناعة بضرورة الحل، بقدر ما كان حاجة لالتقاط الأنفاس، وإعادة ترتيب الوضعين السياسي والميداني، تمهيداً لجولة أكبر، ما لم يتغير سلوك طهران بشكل فعلي.
إذا تجاوزنا السرديات الشعبية وانتقلنا إلى “الواقعية السياسية” والأرقام، سنجد وجهاً مختلفاً. يبدو أنّ أحد أهداف واشنطن كان تغيير النظام، وإغلاق البرنامج النووي، وتقويض القدرات الصاروخية والصناعات المرتبطة بالمسيرات، إلا أنّ النتائج لا تشير إلى تحقق ذلك. كذلك، دخلت إسرائيل الحرب بأهداف مشابهة، إضافة إلى نزع سلاح حزب الله، وضبط سلوك الحشد الشعبي، وإيجاد صيغة للتعامل مع الحوثيين، دون أن تحقّق حسماً واضحاً في هذه الملفات.
في المقابل، وبفعل تعنّت قيادتها، وسعيها للحفاظ على سرديات أيديولوجية مرتبطة بتهيئة الظروف لظهور “المهدي المنتظر”، فقد دفعت إيران ثمناً باهظاً؛ إذ تعرّضت بنيتها التحتية والفوقية للتدمير، وخسرت مرشدها وجزءاً كبيراً من قياداتها.
حرب الاثني عشر يوماً التي سبقت الجولة الأخيرة، والأربعون يوماً التي تلتها في شباط، لا تحقّق انتصاراً ساحقاً أو هزيمة ماحقة لأي طرف.
وهنا يمكن استحضار ما يطرحه Hew Strachan في كتابه The Direction of War، حيث يشير إلى أنّ هذا النوع من الحروب يصعب حسمه، لأنّ الدول الكبرى تتورّط في “الحروب المتوسطة” التي لا هي صغيرة بما يكفي للحسم السريع، ولا هي وجودية بما يكفي للحشد الكامل. والأهم في هذا النوع من الحروب أنّ الأولويات تتغير بسرعة داخل مراكز القرار، فتنتقل الإدارة من هدف إلى آخر وفق الضغوط الداخلية والخارجية.
في الحروب الكبرى، مثل الحرب العالمية الثانية، تكون الأهداف وجودية وواضحة، ما يدفع الدول إلى حشد كامل مواردها، ويحظى القرار بدعم داخلي واسع، ما يسهم في الحسم.
كما تستطيع الدول الكبرى حسم الحروب الصغيرة الخاطفة التي لا تتطلب موارد ضخمة أو تأييداً شعبياً واسعاً، اعتماداً على التفوق التكنولوجي وقوات النخبة، كما في الحالة الفنزويلية، حيث استُهدف رأس الهرم في السلطة Nicolás Maduro في سياق عمليات محدودة، تنتهي فيها المهمة من دون تكاليف عالية أو تاثيرات اقتصادية تذكر.
أما في الحروب المتوسطة—كما في حرب فيتنام، وحرب أفغانستان، وحرب العراق 2003، واليوم إيران—فلا تكون الدول المستهدفة صغيرة بما يكفي لحسم سريع، ولا الحرب مصيرية بما يكفي لحشد كامل الموارد. وهنا تصبح الأولويات السياسية في واشنطن عرضة للتغير، خصوصاً عندما تتداخل الحرب مع الضغوط الاقتصادية الداخلية، ما يدفع الإدارة إلى إعادة ترتيب أجندتها بشكلٍ مستمر؛ وكان الانسحاب الفوضوي من أفغانستان إحدى هذه التحولات في الأولويات.
القسم الأكبر من الرأي العام الأمريكي يتابع اليوم الحرب من خلال شاشات أسعار الوقود في محطات التعبئة، ومع ارتفاع الأسعار، تتشكّل علاقة طردية واضحة بين الغضب الشعبي والضغط السياسي لإنهاء “العملية العسكرية”، إذ تتصاعد الأصوات كلما ارتفعت الأسعار.
وفي هذا السياق، يصبح الداخل الأمريكي عاملًا حاسمًا في إعادة توجيه القرار، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، ما يدفع الإدارة إلى البحث عن “مخرج سياسي” يمكن تقديمه كإنجاز.
السؤال الجوهري يبقى: إلى أين تتجه المنطقة؟
رغم كثافة التصريحات وتناقضها، يبقى شحّ المعلومات هو السمة الغالبة، ما يصعّب بناء صورة دقيقة أو التنبؤ بمسارات واضحة. فأي تغير بسيط في اللحظة الراهنة قد يدفع الأحداث نحو اتجاهات مختلفة.
ومع ذلك، يمكن رصد بعض الاتجاهات المحتملة. تركز واشنطن وتل أبيب على ثلاث نقاط رئيسية: البرنامج النووي، الصواريخ والمسيرات، والأذرع والوكلاء.
من المرجح أن تبدي إيران مرونة أكبر في الملف النووي، عبر تقليص أو تجميد التخصيب، كتنازل يمكن تقديمه دون تهديد وجودي للنظام، و يرضي واشنطن في نفس الوقت.
أما فيما يتعلّق بالأذرع—خصوصاً حزب الله، والحشد الشعبي، والحوثيين—فقد تتعرّض لضغوط، لكن من غير المرجح أن تتخلّى طهران عنها بالكامل، بل ستبحث عن قنوات دعم غير مباشرة مع الحفاظ على الرابط الأيديولوجي والإعلامي، لأنها تدخل في صلب عقيدة النظام.
العقدة الأساسية تبقى في الصواريخ والمسيرات، باعتبارها أصبحت عنصر الردع الأهم في الحروب المتوسطة؛ إذ أنّ حجم الدمار الذي يمكن أن تُلحقه بالخصم بات أكثر تأثيراً في معادلات الردع من السلاح النووي، الذي يصعب استخدامه عملياً في هذا النوع من الحروب.
لن تكون هذه الحرب الأخيرة في المنطقة؛ إذ لم تُحسم القضايا الجوهرية بعد. بل على العكس، مع غياب الحلول النهائية، سيعود الأطراف إلى “الخطة ب”:
فإسرائيل، في غياب تسوية شاملة، ستتجه إلى بناء مناطق أمنية، ورسم خطوط صفراء جديدة—شبيهة بالخط الأصفر في غزة—وهو ما بدأ فعلياً في لبنان وسوريا، مع العودة تدريجياً إلى سياسة “جزّ العشب” بدل الحسم النهائي.
إلى أن يتمّ إعادة ترتيب المنطقة بشكل أكثر تجانساً واستقراراً، لن تكون هذه الجولات سوى فواصل مؤقتة بين جولات أعنف، حيث يبقى الصراع مفتوحاً، وتبقى الحروب خياراً مؤجلًا لا مُلغى.
المقال منشور في جريدة يكيتي العدد “٣٤٣”






