ملفات و دراسات

الحكومة العراقية بمواجهة التحديات الكردية.. هل يفقد السوداني شرعيته بانسحاب “الديمقراطي“؟

Yekiti Media

مجددا، يعود التوتر السياسي بين الحكومة الاتحادية العراقية وحكومة إقليم كردستان الواقع شمال العراق والذي يتمتع بحكم شبه ذاتي، الأمر الذي ينذر بأزمة سياسية جديدة قد تترك رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، أمام تحدٍّ كبير يقوض جهوده لتحديد السياسات وضبط ميزانية الدولة المطلوبة بشدة، بعد أقلّ من عام من تشكيل حكومته.

فحكومة السوداني كانت قد تشكلت بعد أكثر من عام على أزمة سياسية تطورت إلى حدّ الصدامات المسلحة، نتيجة انقسام حاد بين القوى الشيعية حول مرشح رئاسة الحكومة وآلية تشكيل الحكومة، حيث كان زعيم “التيار الصدري” مقتدى الصدر، الذي حصدت كتلة “الصدرية” أكبر عددٍ من مقاعد “البرلمان” في الانتخابات المبكرة الأخيرة التي شهدتها البلاد في تشرين الأول/أكتوبر 2021، يسعى إلى تشكل حكومة “أغلبية وطنية” تستثني مشاركة كل أو بعض غرمائه الشيعة في تحالف “الإطار التنسيقي”.

الأمر الذي رفضه “الإطار” الذي يضم جميع القوى الشيعية الموالية لإيران، الذي كان يدعو إلى تشكيل حكومة “توافقية” تشمل مشاركة جميع الأطراف السياسية، وهو ما عطّل تشكيل الحكومة وأدى في نهاية المطاف إلى انسحاب الصدر من العملية السياسية وتوجيه كتلته النيابية للاستقالة من “البرلمان”، ما دفع بحلفائه من القوى السّنية المنضوية جميعها تحت مظلة تحالف “السيادة” برئاسة خميس الخنجر، والحزب “الديمقراطي” الكردستاني، إلى الانخراط في تحالف مع “الإطار” سُمّي بائتلاف “إدارة الدولة”.

تعهدات بغداد وأربيل تهدد الاستقرار السياسي بالعراق

تشكيل “إدارة الدولة” وقتئذ، كانت بناءً على تعهدات التزمت القوى السياسية في تطبيقها مضيا لتشكيل الحكومة، ومن بينها تعهد تحالف “الإطار” للقوى الكردية التي كان بحاجة مشاركتها في اتفاق “إدارة الدولة” لتمرير حكومته، بإنهاء ملفات عالقة بين حكومتي بغداد وأربيل عاصمة كردستان، غير أن ذلك لم يحصل حتى بعد مضي نحو عشرة أشهر على تشكيل الحكومة، وهو ما أعاد إلى الأذهان سيناريوهات سابقة تنكرت فيها القوى الشيعة من تعهدات قطعتها لشركائها في العملية السياسية.

تعهد “الإطار” كان قد قُطع للحزب “الديمقراطي” الكردستاني -صاحب أكبر عدد من المقاعد البرلمانية الكردية في “البرلمان” العراقي-، والذي كان قد دعم مشروع رجل الدين الشيعي البارز مقتدى الصدر في تشكل حكومة “أغلبية وطنية” والانخراط في تحالف معه، قبل أن ينفرط تحالفهما مع انسحاب الصدر من العملية السياسية؛ كان لحاجة “الإطار” دعم الحزب الكردي لعملية تشكيل الحكومة التي كان من العسير ولادتها من دون ذلك.

بناء على ذلك، كان رئيس الحكومة محمد شياع السوداني، قد أبرم اتفاقا مع الحزب “الديمقراطي” الكردستاني الذي يهيمن على الإدارة في أربيل، وبحسب مسؤولين أكراد، أن الاتفاق شمل إنهاء نزاع قائم منذ فترة طويلة في شأن نقل الميزانية لأربيل وتقاسم عائدات النفط بين الحكومة المركزية وإقليم كردستان.

بموجب الدستور العراقي، يحق لإقليم كردستان أن يكون لها قسم من ميزانية البلاد لكن ذلك الترتيب انهار في 2014، عندما بدأ الأكراد بيع النفط الخام من الإقليم بشكل مستقل، وهو ما تسعى القوى الكردية للاتفاق حوله مع الحكومة الاتحادية ببغداد، ضمن تشريع قانون النفط والغاز المعلّق منذ العام 2005، وتؤكد أطراف من داخل “الديمقراطي” أنه في حال عدم التزام السوادني بحل هذه الملفات فإن الحزب قد يسحب دعمه للحكومة، ومن شأن ذلك أن يترك رئيس الحكومة في موقف صعب في ما يتعلق بتمرير مشروعات القوانين في “البرلمان” وتفعيل الإصلاحات.

بحسب نائبين عراقيين ومسؤول حكومي كردي، فإن الحزب “الديمقراطي” الكردستاني قد يسحب دعمه للحكومة الاتحادية إذا أخفق السوداني في الوفاء بتعهداته بحل نزاعات قائمة منذ فترة طويلة بين أربيل وبغداد، حيث سبق وأكد مسؤولون أكراد أن مشاركتهم في العملية السياسية هدفها كسر الجمود السياسي الذي أصاب البلاد، ولإيجاد حل للخلافات بين أربيل وبغداد، بالتالي في حال فشلت الحكومة ورئيسها بذلك قد يدفع الحزب لسحب دعمه للحكومة.

إلا هذا الأمر من شأنه أن يترك تداعيات كبيرة على مستوى الاستقرار السياسي في البلاد، كما قد يؤدي إلى شلل في أداء الحكومة ببغداد، وهو ما علّق عليه الخبير في الشأن السياسي العراقي، على البيدر قائلا، في بداية الأمر إن هذا الخيار مستبعد حاليا، وذلك لعدة أسباب، لعل أهمها هي العلاقة القوية والمتميزة التي تربط حكومتي بغداد وأربيل، وذلك بسبب قوة تماسك ائتلاف “إدارة الدولة”، الأمر الذي خلق حالة من التقارب والانسجام بين بغداد وأربيل.

سيناريو يهدد مصير الحكومة العراقية

لكن بالرغم من ذلك، لفت البيدر إلى أن حدوث هذا الانسحاب، وإقدام الحزب “الديمقراطي” الكردستاني، بهكذا خطوة يمكن أن تؤدي إلى هدم ما بُني قبل أقل من عام في عمر الحكومة الحالية، بيد أن هناك أطراف سياسية كثيرة تشجّع على هكذا خطوة، خصوصا وأن الأطراف السّنية لديها رغبة في ذلك.

غير أن البيدر، حذر من أن هذه النقطة في حال حصولها قد تزيد من حالة المعارضة الشعبية والسياسية للحكومة الحالية، وبالتالي يمكن أن تخلق رأيا عاما قد ينعكس سلبا على الأمر الواقع.

وسط ذلك، يؤكد الخبير في الشأن السياسي العراقي، أن المعطيات حتى الآن تؤكد على قوة العلاقة بين بغداد وأربيل، وهو ما يجعل من حصول هذه الفكرة بعيدة في الوقت الحالي، خاصة وأن إقليم كردستان مُقبل على انتخابات محلية، والحزب “الديمقراطي” يستعد لها بشكل كبير؛ فهو يريد تحقيق نتائج كبيرة، لذا قد يكون في الأساس غير متفرغ لذلك.

هذا وقد تمّ التصويت على تمرير حكومة السوداني في تشرين الأول/أكتوبر وتعهّد بعد ذلك بإصلاح الاقتصاد ومحاربة الفساد وتحسين الخدمات العامة المتداعية ومكافحة الفقر والبطالة، وهي أهداف ليست بالسهلة في دولة تتوق للاستقرار وتوفر السيولة منذ غزوٍ قادته الولايات المتحدة في 2003، بالتالي من دون دعم الحزب “الديمقراطي” الكردستاني القوي الذي ساعده في الوصول للسلطة والذي يملك 31 مقعدا في “البرلمان” سيجد السوداني أن من العسير الدفع بأجنداته قُدما.

توتّر العلاقة بين الحكومة العراقية والأكراد، الذين يمثلون جزءا أساسيا من المشهد السياسي في العراق منذ الإطاحة بنظام صدام حسين في 2003، من شأنه أن يقوض جهود السوداني بعد فترة طويلة من الشلل في مجريات الأمور بالدولة، وذلك قد يتركه في موقف صعب فيما يتعلق بتمرير مشروعات القوانين.

بالتالي فإن ذلك قد يعيد الحكومة إلى المربع الأول، عندما أصاب الجمود -الذي نتج عن خلافات بين القوى الشيعية- العراق بحالة من الشلل، حيث ترك البلاد من دون ميزانية لعام 2022 مما حجب الإنفاق على مشروعات بنية تحتية وإصلاح اقتصادي يحتاجها العراق بشدة، كما حرمت السلطات الكردية من الإيرادات المطلوبة للدفع لشركات النفط الدولية ولرواتب الآلاف من العاملين في إقليم كردستان.

مباحثات من دون إحراز تقدم

على هذا الأساس، كان وفد من حكومة إقليم كردستان قد زار بغداد الإثنين الماضي، لمناقشة الميزانية وكذلك قوانين النفط والغاز، ونقلت وكالة “رويترز” عن مصدر مطلع على الاجتماعات، أنه لا يزال هناك تباعد كبير بين أربيل وبغداد في شأن قانون النفط والغاز الذي تصرّ القوى الكردية على تمريره.

في وقت سابق اتفق رئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني، مع رئيس إقليم كردستان مسرور البارزاني، على حلّ الخلافات والقضايا العالقة، والتي من بينها ملفّي الموازنة المالية للعام 2023 وقانون النفط والغاز، إلا أن القانون ما يزال مثار جدلٍ بعد حديث عن التحضير لنسخة جديدة منه إثر الخلاف على تمريره في ظل تباين الآراء السياسية.

قانون النفط والغاز في العراق ينصّ على أن مسؤولية إدارة الحقول النفطية في البلاد يجب أن تكون منوطة بشركة وطنية للنفط، ويشرف عليها مجلس اتحادي متخصص بهذا الموضوع، لكن منذ عام 2003، تختلف بغداد وأربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق، على موضوع إدارة حقول الإقليم النفطية.

بغداد تقول إن الإقليم لا يصرّح بمبالغ تصدير النفط الحقيقية ولا يسلّم تلك المبالغ إليها، بينما يقول إقليم كردستان إن الصادرات من الحقول النفطية هي ضمن أراضيه ويجب أن تخضع لإدارته، سواء من ناحية منح التراخيص للاستكشافات الجديدة، أو إدارة الحقول الموجودة أصلا، أو التحكم بالإنتاج والتصدير للوجهات التي يختارها، أو التعاقد على الشراء والتطوير.

في حين يشير قانون النفط الكردستاني إلى أن وزارة النفط في الإقليم أو من تخوله تتولى مسؤولية “التنظيم والإشراف على العمليات النفطية وكذلك كل النشاطات التي تتعلق بها من ضمنها تسويق النفط”، وأيضا “التفاوض وإبرام الاتفاقات وتنفيذ جميع الإجازات ومن ضمنها العقود النفطية التي أبرمتها حكومة الإقليم”، فيما يقول القانون إن للحكومة العراقية حق “المشاركة في إدارة” الحقول المكتشفة قبل عام 2005، لكن الحقول التي اكتُشفت بعدها تابعة لحكومة الإقليم.

7al

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى