
الحياد في زمن الظلم.. موقف أخلاقي أم تواطؤ مقنّع؟
جيندار بركات
يُطرح الحياد في الخطاب السياسي المعاصر بوصفه فضيلة أخلاقيّة وخياراً عقلانياً يجنّب المجتمعات مزيداً من الانقسام، غير أنّ هذا الطرح، في سياقات القمع والظلم الممنهج، يتحوّل إلى إشكاليّة أخلاقيّة وسياسيّة عميقة، فحين يغيب العدل، وتُكمّم الأفواه، وتُدار المجتمعات بمنطق القوة، يصبح الحياد سؤالاً لا يمكن التعامل معه بسطحيّة أو حسن نيّة.
في الظروف الطبيعيّة، يمكن للحياد أن يكون موقفاً مشروعاً، بل وضرورياً أحياناً، خاصةً في النزاعات المعقّدة أو الخلافات السياسيّة المتكافئة، لكن في زمن الظلم، حين تكون خطوط الصراع واضحة بين سلطةٍ تمتلك القرار والسلاح، ومجتمع محروم من أبسط أدوات الدفاع عن نفسه، فإنّ الحياد لا يعود خياراً بريئاً، بل يتحوّل عملياً إلى انحياز صامت للطرف الأقوى.
المشكلة الأساسيّة ليست في الحياد بحد ذاته، بل في توقيته واستخدامه، فغالباً ما يُستدعى خطاب الحياد فقط عندما يكون الكلام مكلفاً، وعندما تصبح الحقيقة عبئاً سياسياً، يُطلب من الناس أن (يلتزموا الصمت)، من الإعلام أن (يكون مهنياً)، ومن المثقفين أن (ينأوا بأنفسهم)، بينما تُمارس الانتهاكات بشكلٍ يومي، دون مساءلة أو حتى اعتراف.
في الحالة السوريّة، لم يكن الحياد يوماً موقفاً محايداً فعلياً، لقد استُخدم، عبر سنوات طويلة، كأداة لضبط المجال العام وتدجينه، فكلّ مَن يرفع صوته يُتّهم بالتحريض، وكلّ مَن يسمّي الأشياء بأسمائها يُصنّف كطرف في الصراع، وكأنّ المطالبة بالعدالة أو كشف الانتهاكات فعل اصطفاف لا موقف أخلاقي.
بهذا المعنى، تحوّل الحياد إلى سلاح سياسي ناعم، يُستخدم لإسكات النقد، لا لتخفيف الاحتقان.
الأخطر أنّ خطاب الحياد غالباً ما يساوي بين الجلّاد والضحيّة، يُختزل الصراع في معادلة (كلّ الأطراف مخطئة)، ويُغفل الفارق الجوهري في المسؤوليّة والقدرة، هذا النوع من الحياد لا يقدّم حلاً، بل يطمس الحقيقة، ويعيد إنتاج الظلم تحت غطاء التوازن الزائف، فليس من العدالة وضع مَن يملك أدوات القمع، ومن يتعرّض لها، في الكفة نفسها.
وفي كثيرٍ من الأحيان، لا يكون الحياد نابعاً من قناعة أخلاقيّة، بل من حسابات مصلحيّة ضيقة: الخوف من العقاب، الحرص على الامتيازات، أو الرغبة في البقاء ضمن المساحة الآمنة، وهذه ليست خيارات فرديّة فحسب، بل تحوّلت إلى ثقافة عامة، تُكافئ الصامت، وتعاقب من يتكلم، وهكذا، يصبح الصمت قاعدة، والموقف استثناءً.
لا يعني ذلك أنّ المطلوب من الجميع تبنّي خطاب تصادمي أو الدعوة إلى الفوضى، فالسياسة ليست صراخاً، والموقف الأخلاقي لا يُقاس بحدة اللغة، لكن هناك فرقاً واضحاً بين التعقّل السياسي وبين التخلي عن المسؤوليّة، يمكن للمرء أن يكون عقلانياً، نقدياً، ومتزناً، دون أن يكون محايداً إزاء الظلم.
التاريخ، في تجارب الشعوب، لا يمنح شرعيّة للحياد في اللحظات المفصليّة، لم تكن التحولات الكبرى نتيجة صمت جماعي، بل نتيجة مواقف واضحة، دفعت أثمانها، لكنّها أسّست لمسارات جديدة، أما أولئك الذين اختاروا الوقوف في المنطقة الرماديّة، فقد انتهى بهم الأمر على هامش الذاكرة، أو في خانة المبرّرين.
في السياق الكُردي السوري، يتضاعف هذا السؤال، فحين تُنتهك الحقوق القوميّة، وتُقمع الأصوات السياسيّة، ويُطلب من الناس القبول بالأمر الواقع تحت شعار (الواقعية السياسيّة)، فإنّ الحياد يصبح شكلًا من أشكال التطبيع مع الإقصاء، لا يمكن للحياد أن يكون موقفاً أخلاقياً حين يُستخدم لتبرير تغييب الشراكة، أو لإسكات أي مطالبة بحقوق مشروعة.
في النهاية، لا أحد مُطالب بأن يكون بطلاً، ولا يمكن تجاهل كلفة الموقف في بيئات قمعيّة، لكن ما يمكن المطالبة به، على الأقل، هو الصدق مع الذات، وعدم تحويل الخوف إلى فضيلة، أو الصمت إلى حكمة، فالحياد في زمن الظلم ليس دائماً خياراً أخلاقياً، بل كثيراً ما يكون تواطؤاً مقنّعاً، يمنح الظلم فرصة إضافية للاستمرار.
المقال منشور في جريدة يكيتي العدد “342”






