الدكتور عبد الله تركماني: وحدة القوى الديمقراطيّة العربيّة والكُرديّة ضروريّة لنيل حقوقهم كاملة

– دخلت الثورة السورية عامها العاشر، و نرى بأن الملف السوري، تتحكم به الأطراف الدولية و الإقليمية، ذات النفوذ على الأرض، فيما النظام الذي كان يطلق الوعيد بالقضاء على( المشاغبين) خلال شهور، و المعارضة التي كانت تعتقد بأنها ستُهزم النظام في ربيع العام الأول للثورة ، بقيا خارج دائرة التحكم في المعادلة السورية.

– الدكتور عبد الله تركماني الباحث في مركز حرمون للدراسات المعاصرة, نرحب بكم باسم موقع يكيتي ميديا الإلكتروني ونشكركم لمنحكم جزءاً من وقتكم للإجابة على أسئلتنا.

 

س1- المعارضة السياسية السورية، لم تحقق النصر السياسي ولا العسكري في معركتها المستمرة مع النظام..
فما هي الأخطاء التي وقعت فيها قوى الثورة والمعارضة.. من منظوركم كسياسي وباحث؟

 

ج1- في الذكرى التاسعة للثورة يعيش الشعب السوري محنة حقيقية تجلياتها متشعبة: مئات آلاف القتلى والمعتقلين، ملايين النازحين داخلياً، ملايين اللاجئين إلى الخارج، ملايين البيوت المهدّمة، عشرات ألوف المعوّقين، تصدّع مجتمعي، طغيان العسكرة والتطرف والإرهاب.

هناك عدة أشياء تقولها الثورة السورية، منها: أنّ هناك معارضة كامنة كبيرة في المجتمع السوري لم تكن المعارضة التقليدية قادرة على التواصل معها، ولم تملك أدوات تنشيطها وتحويلها إلى معارضة فاعلة. فبعد سيل التضحيات التي قدمها أبناء الشعب السوري وبناته، فإنّ الثورة كغيرها من ثورات الشعوب العربية لم تكن نتيجة مباشرة لعمل أحزاب المعارضة، بل هي جاءت من وعي تشكَّل في مكان عميق من عقل ووجدان شابات وشباب سورية، وهو مكان لم يعد قادراً على تحمُّل أو فهم دواعي استمرار الاستبداد المستفحل منذ ما يزيد عن أربعة عقود.

ومع دخول الثورة لعامها العاشر فإني أرى أن الخيار الأمني للنظام دفع الحراك الشبابي السلمي نحو ” العسكرة ” و” الأسلمة “، وبالتالي إلى ارتهان الفصائل المسلحة، وممثلي المعارضة الرسمية، إلى الجهات الإقليمية والدولية ذات النفوذ المالي والتسليحي.

وهكذا، لم يعد الصراع داخل سورية، وإنما على سورية، بين القوى الإقليمية والدولية لتقاسم النفوذ والمصالح، نتيجة لولاء أمراء الحرب والسياسة لجهات خارجية. وفي المقابل، عجزت المؤسسات الرسمية للمعارضة عن بناء قنوات تفاعل مع الحراك الشعبي، ومده بأسباب الدعم والاستمرار. ليس ذلك فحسب، وإنما افتقد خطابها إلى القدرة على تحديد مشكلات الواقع وصياغة الحلول المجدية لها، ومتابعة آلياتها التنفيذية.

لقد نفر السوريون من مؤسسات معارضة تعلن أنها تسعى إلى تحقيق طموحات الشعب السوري في الحرية والكرامة، وبناء دولة المواطنين الأحرار المتساويين في الحقوق والواجبات، بينما هي تصر على توزيع المناصب والامتيازات على أساس المحاصصات القومية والطائفية، وليس على أساس القدرات والكفاءات.

 

س2- سوريا تنزف منذ تسعة أعوام على مرأى ومسمع الدول العربية والاسلامية، والعظمى، وغيرها من الدول والمنظمات الدولية..
برأيكم.. ماهي العوامل والمسببات التي أفرزت هذا الوضع الاستثنائي في سوريا؟
وما هي اللوحة المرتقبة التي تقرؤونها للأزمة السورية؟

 

ج2- لم يشهد التاريخ الحديث بؤرة صراع دموي أُهملت من قبل المجتمع الدولي، وعرفت هذا الاستهتار المخزي، وباتت مرتعاً لصراعات النفوذ وتقاسم الحصص، مثل الكارثة السورية، خاصة حين ترعاها ثورة الاتصالات ولغة الصورة التي تصل إلى كل بيت وتكشف للبشرية ما يعجز اللسان عن كشفه وقوله، ليتكرر السؤال، لماذا تُركت سورية لهذا المصير المرعب!؟

إن حماية المواطنين من انتهاكات حقوق الإنسان هي مسؤولية الدولة بالدرجة الأولى، لكن عندما ترتكب السلطة الحاكمة بحق مواطنيها انتهاكات جسيمة، ترقى إلى مستوى جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية، أو عندما تكون هذه السلطة غير راغبة أو غير قادرة على تقديم الحماية لمواطنيها، فحينئذ يتعين على المجتمع الدولي أن يأخذ على عاتقه مسؤولية حماية المدنيين والأبرياء. ومن هذا المنطلق، هناك التزامات قانونية وأخلاقية، تفرض عليه حماية السوريين من انتهاكات سلطات بلادهم.

الأسئلة الحارقة التي تطرح نفسها بإلحاح، هي: أين الكارثة السورية من القيم التي انطوى عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان؟ وهل يكفي أن يصف الأمين العام للأمم المتحدة ما يحصل في سورية بأنه أكبر كارثة إنسانية منذ الحرب العالمية الثانية؟ وهل يكفي التعبير عن القلق على مصير الشعب السوري من قبل قادة دول ” أصدقاء الشعب السوري “؟

لقد كان الصراع الدائر في سورية وعليها، منذ تسع سنوات، قد أخذ في البداية شكل مسألة داخلية أفرزتها ثورة شعب في مواجهة نظامه المستبد. غير أن التفاعلات المتشابكة لتلك المسألة ما لبثت أن حولته إلى صراع دولي واسع النطاق، وجاذب للقوى المتنافسة على قيادة المنطقة والهيمنة على النظام العالمي، الأمر الذي أدى إلى تحوّل سورية – تدريجياً – إلى ساحة لتصفية الحسابات المتعلقة بأنواع الصراعات القديمة والمستجدة كافة، تحت عنوان ” محاربة الإرهاب “.

مما فرض ضرورة سياسية تقع على المعارضة، وهي التبرؤ الكلي من أية جماعات جهادية متطرفة، تتناقض مع أهداف الثورة ومصالح السوريين، ولها أهدافها الفئوية، والتي لا تتطابق مع أهداف الشعب السوري في الحرية والكرامة، وتستقي قوتها من الفوضى العارمة في الثورة السورية.

إن الصراع في سورية هو صراع إقليمي ودولي عبر السوريين، ولن ينتهي إلا إذا جرى توافق إقليمي – دولي على الخروج منه، من خلال التوافق على الحل السياسي الذي قد يفتح الباب لبناء سورية دولةً عصريةً في نهاية المطاف، وهو مبني على توافق أميركي – روسي، يشمل الضغط على روسيا، لتضغط بدورها على النظام لتنفيذ الاستحقاقات المطلوبة منه. وقد يقوم هذا السيناريو على فكرة المقايضة، بين أميركا وروسيا، بأن تقوم أميركا برفع العقوبات عن النظام، ووقف تنفيذ قانون قيصر/سيزر، ورفع الفيتو عن تمويل إعادة الإعمار، والتطبيع مع سورية، مقابل أن تفرض روسيا على النظام حلًا يقوم على انتقال سياسي من دون بشار الأسد.

وبناء على ما تقدم، يبقى العامل الذاتي الوطني حجر الأساس في أي تعامل مع المبادرات والجهود التي تقارب الحالة السورية. فمن دون قيادة سياسية متماسكة للمعارضة تمتلك رؤية سياسية واضحة ومطمئنة لسائر المكوّنات السورية، على قاعدة احترام الحقوق والخصوصيات، وتكون بعيدة كل البعد عن التعصب والتطرف، وتأخذ في اعتبارها المعادلات الإقليمية والدولية، وتؤكد للجميع أنّ سورية المستقبل ستكون عامل استقرار وأمن لمصلحة الجميع، ستبقى الأمور عائمة، مفتوحة على غير ما هو منشود.

 

س3- كيف تقيّمون أداء الأحزاب السياسية وقوى المجتمع المدني في سوريا، خلال فترة الثورة؟

 

ج 3- تقييمنا لأداء الأحزاب السياسية وقوى المجتمع المدني ينطلق من معرفتنا بأن القوى الحقيقية، التي نزلت إلى الشارع، كانت تتبنى، بشكل واضح، تصوراً مستقبلياً لسورية: ديمقراطية، دولة كل مواطنيها، ودولة قانون وحريات عامة وفردية تنبذ العنف والطائفية.

ولكنّ واقع المكونات التقليدية للمجتمع السوري وديمومة الاستبداد لنصف قرن كان لهما دور كبير في إعاقة منظمات المجتمع المدني أو قبول طروحاتها. إضافة إلى جملة من الأسباب المعوّقة لجهودها منها: كثرة انقساماتها وتنازعها على القيادة، والتمويل الخارجي، وضعف الطاقة الاستيعابية لهذه المنظمات، إذ ظل بعضها محصوراً ومحدوداً وليس فيها عضوية حركية، وطاقات جديدة. وهكذا أصبحت معزولة وضعيفة، وأحياناً تكرر نفسها ويستمر في إدارتها رموز مهيمنة.

وفي الواقع من غير الممكن تصور سورية لكل مواطنيها بمعزل عن عودة الروح إلى المجتمع المدني، وضمان مؤسساته المستقلة عن سلطة الدولة، كي يسترد المجتمع حراكه السياسي والثقافي، بما يخدم إعادة بناء الدولة السورية الحديثة. إذ يبدو أنّ الأولوية تقتضي إعادة السياسة إلى المجتمع، بما يضمن ويمكّن الجمهور العام وقواه الحية من الدخول في الحوار، وتبادل الرأي في كل مسائل الشأن العام، بصبر وروية، والابتعاد عن الشعارات الطنانة، كي نقترب من جوهر السياسة القائم على الاستعداد للتفاعل والتبادل والتسويات. ولكن للأسف لم تستطع الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني أن تقوم بأدوارها، خلال السنوات التسع للثورة، لأسباب ذاتية وموضوعية.

ولا شك لدينا أنّ الانتعاش النسبي لدور منظمات المجتمع المدني يمثل عودة الروح إلى ركن أساسي من أركان الحراك الشعبي، ولذا فمن الأهمية بمكان أن تقلع الأحزاب السياسية عن عقلية الوصاية، وأن تتجه هي نفسها إلى إكساب عملها السياسي أبعاداً اجتماعية أعمق. إذ إنّ العلاقة بين العمل السياسي وبين العمل في مجال المجتمع المدني هي التي يمكن افتراضها بين السياسة وبين الشروط المتحضرة لممارستها.

 

س4- الكُرد يتخوفون من تكرار سياسات التمييز ونزعة التعريب تجاههم، ويرون في النظام الفدرالي أفضل الحلول الممكنة للحد من تمركز السلطة في العاصمة، ولتمكين الكرد من تحقيق خصوصيتهم القومية والمشاركة العادلة في الحكم.. ما رأيكم في ذلك؟

 

ج4- في ظلّ صراع الهُويات القائم اليوم، وكذلك المقتلة التي عصفت بسورية، أصبح السوريون في حاجة ملحّة إلى عقد اجتماعي جديد، ينقلهم إلى الحالة الوطنية الجامعة. وبطبيعة الحال، ليس المدخل إلى ذلك مشروع ” الفيدرالية الكردية ” في شمال سورية وشرقها، ومشروع ” سورية المفيدة ” في غربها.

إنّ توزّع الأكراد الديموغرافي على قسم كبير من الجغرافيا السورية، خاصة في مدينتي دمشق وحلب، واختلاطهم الكثيف في مناطق الجزيرة السورية وشرق نهر الفرات بالعرب وغيرهم من القوميات الأخرى، يجعل الخيار الوطني السوري خياراً مفروضاً موضوعياً بقوة الجغرافيا والديموغرافيا.

إنّ الأمر يتطلب بلورة عقد وطني جديد، وهذا يستدعي أن يتناول الحل السياسي القادم المسائل الأساسية كافة، التي تهم جميع المكوّنات السورية، من خلال انخراط الجميع في عملية صياغة هذا العقد، مع توفير الضمانات لإنجاحه وتثبيت نتائجه وحماية هذه النتائج.

وفي هذا السياق فإنّ وحدة القوى الديمقراطية العربية والكردية ضرورية، لنيل حقوقهم كاملة في مرحلة ما بعد الاستبداد، بدعم من جميع الأطياف الديمقراطية التي ستشترك في بناء النظام الجديد.

إنّ الخيار ليس بين المركزية الطاغية، أو التقسيم، أو الفيدراليات الطائفية والقومية، بل هو بين هذا كله وبين نظام ديمقراطي حقيقي، تُضمَن فيه صلاحيات الحكومة المركزية، في المجالات الكبرى كالخارجية والدفاع والعملة وإدارة الموارد الاقتصادية الرئيسية، حكومة قادرة على حل القضايا المعلقة والشائكة. إنه أيضًا النظام الذي يضمن، في الوقت نفسه، أوسع الصلاحيات للمحافظات والمناطق والنواحي والبلدات. وقد يكون خيار اللامركزية الإدارية الجغرافية متاحاً، في حال حصل التوافق بين السوريين، خلافاً لخيار التقسيم الذي تقف دونه كثير من العوامل السياسية والميدانية والجغرافية والاقتصادية.

وهكذا، بإعادة رسم الخريطة الإدارية السورية نستطيع أن نتحاشى اشتراط البعض لنصوص دستورية أو قانونية تشكل ألغاماً يمكنها أن تنفجر بأي لحظة، وأن نتجنب تحكّم ظلال الماضي المعتم بمستقبل سورية. فعندما تضمن المكوّنات تمثيلها في مناطقها، فإنها ستقوم من خلال الممارسة الديمقراطية بانتخاب ممثلين لها وفقاً لأسس المصلحة العامة والكفاءة والفاعلية والمردودية، وهذا هو مفهوم النظام الديمقراطي الذي تقوم عليه الدول.

وهكذا، يحتاج السوريون اليوم للتوافق على سردية واضحة ومتكاملة للتغيير المنشود في المرحلة القادمة في ظل المعطيات الواقعية الحالية. سردية تستند إلى رؤية واضحة للتغيير، تقوم على تحويل إمكانيات المجموعات المؤمنة بهذا التغيير إلى عوامل قوة ومصادر طاقة من أجل إنجاز العمل في اتجاه التغيير المطلوب.

إذ لا يمكن الاستمرار على النهج القديم، الذي أدى بالثورة إلى إضاعة البوصلة والطريق. إن الاستمرار في تجاهل الواقع، ونكران التحولات العميقة التي شهدتها مسيرة الصراع من أجل الحرية والكرامة على عموم الأرض السورية، لا يساعد على التقدم ولا يفتح أي طريق سالك من أجل إنقاذ رهانات الشعب السوري الأساسية، وإيجاد شروط خروج الملايين من أبنائه من حياة التشرد اللاإنسانية.

نحن اليوم أمام مفترق طرق، إما تسليم سورية للقوى الإقليمية والدولية، لتبقى ساحة صراع وتفاوض بين هذه القوى، أو استعادة زمام الأمور عبر التعويل على كامل الشعب السوري، والعمل على تحقيق آماله وتطلعاته.

وبناء على ما تقدم، يبقى العامل الذاتي الوطني حجر الأساس في أيِّ تعامل مع المبادرات والجهود التي تقارب المسألة السورية. فمن دون قيادة سياسية متماسكة للمعارضة تمتلك رؤية سياسة واضحة ومطمئنة لسائر المكوِّنات السورية، على قاعدة احترام الحقوق والخصوصيات، وتكون بعيدة كل البعد من التعصب والتطرف، وتأخذ في اعتبارها المعادلات الإقليمية والدولية، وتؤكد للجميع أنّ سورية المستقبل ستكون عامل استقرار وانسجام لمصلحة الجميع، ستبقى الأمور عائمة، مفتوحة على غير ما هو منشود.

يستدعي هذا، قبل أي شيء آخر، العودة إلى ذاتنا، واستعادة روح الثورة والمبادئ التي كانت تمثلها، في الحرية والكرامة وحق الشعب في تقرير مصيره، ورفض المساومة على القضية التي ضحَّى من أجلها ملايين السوريين، بعضهم بأرواحه وبعضهم بمستقبله وكل ما يملك، فمن دون إحياء روح الثورة من جديد، وتعميم إشعاعها في قلوب أغلب السوريين، لن يبقى هناك أيُّ معنى، وسيتحول الكفاح البطولي المرير للشعب السوري، منذ تسع سنوات، إلى عبثية لا معنى لها إلا لأمراء الحرب والسياسة.

إسطنبول في 13/4/2020

قد يعجبك ايضا