الدكتور محمد حبش: الفيدرالية ضمن سوريا الموحدة هي الحل المناسب للقضية الكُردية

Yekiti Media

في التحضير للحوار مع شخصيةٍ عامةٍ و قامةٍ ثقافيةٍ و أكاديميةٍ تميّز بحضوره المتعدّد الجوانب ، لا بدّ من أنّ اللجنة المحاورة مثلنا ستحتارُ من أين ستبدأ بسؤالها الأول ؟ سياسي ! ام معرفي ؟ أكاديمي أم فقهي وشرعي ؟ وللحقّ مهما اختلفنا مع قامةٍ مثل الدكتور محمد حبش أو اتّفقنا ! لابدّ من الإقرار بأنه شخصية إشكالية جدلية في مبحثه يحتهد من دون كللٍ في إثبات مقارباتٍ و بأسلوبٍ سلسٍ جداً يسعى وبحداثويةٍ ملحوظةٍ في المزج بين الفهم الديني الإسلاموي مع الحداثوية المعاصرة عن الديمقراطية مثلاً مروراً حتى أشكال بناء الدولة وتقاطعاتها الإسلامية ..

دكتور نرحّب بكم و نشكركم لمنحكم بعضاً من وقتكم لموقع يكيتي ميديا الإلكتروني للإجابة عن أسئلتنا :

يكيتي ميديا:  يُلاحَظ في المنهج التحليلي الذي تتبعونه في مؤلفاتكم، وحتى التدريسية منها، بأنه يثير إشكاليةً وجدلاً بين مَنْ يعتبره خرقاً وتجاوزاً و اجتهاداً غير مقبولٍ، وبين مَنْ يرى فيه نوعاً من التجديد والقراءة بعقليةٍ منفتِحةٍ، يوائم بين رؤية الدين، كقابلٍ للتجدد أو المواءمة .. وسنشير هنا إلى مفهوم الإسلام والديمقراطية كإطارٍ، ماذا تقولون؟.

 قناعتي لم يتوقف الإسلام يوما” عن التطور .

الدكتور محمد حبش:  قناعتي أنّ الإسلام يتكوّر باستمرارٍ ، ولم يتوقّف يوماً عن التطوّر، والنسخ الذي شهدته فترة النبوة أوضح دليلٍ على ذلك، فقد تمّ نسخ 21 آية و48 حديثاً خلال حياة النبي التشريعية التي امتدّت 23 سنة، وقد جرى ذلك كلّه في إطار منطقة الحجاز وفي سياق عددٍ من القبائل العربية المتشابهة أخلاقاً وثقافةً وتقاليد….. فكيف يُتصوّر هذا التطوّر بعد أن انتقل الإسلام من جزيرة العرب إلى القارات الخمس وبعد أن تضاعف عدد المسلمين من مليون إلى ألف وخمسمائة مليون.؟ ..

الإسلام يتطوّر باستمرارٍ وقد شرحت ذلك في مقالاتٍ كثيرة منشورة ، ثم أفردته ببحثٍ خاصٍ في كتابي النبي الديمقراطي، وفيه قدّمت دراسةً نصيةً لما رُوِي عن الرسول الكريم من جهوده لتطوير الإسلام خلال حياته الكريمة، ولم أقصد بالطبع الحديث عن الشورى كقيمةٍ إداريةٍ في حياته الكريمة فهذا أمرٌ بدهيٌ ، ولكنني قصدت إلى التركيز على دور الديمقراطية في صناعة الشريعة، وأنّ هذه الشريعة كانت تصدر باستمرارٍ عبر مخاضٍ ديمقراطيٍ يلامس حاجة الناس، وقد تعدّلت باستمرارٍ بناءً على حاجاتهم، وقد سقت لذلك أكثر من أربعين دليلاً من المصادر المعتبَرة في تراثنا الإسلامي تؤكّد هذه الحقيقة.

أمّا أنّ هذا الكلام يلقى قبولاً أو صدوداً ،فإنني أعتقد أنّ شأنه كشأن كلّ فكرةٍ جديدةٍ، تجد مَنْ يتبنّاها وتجد مَنْ يناوئها، وهذه سنْة الحياة…

شخصياً أعتقد أنّ الإسلام السلفي لن يتقبّل توجّهنا هذا وسيراه بكلّ تأكيدٍ مروقاً من الدين وقد فعل، ولكنّ الإسلام الشعبي البسيط يتقبّل ذلك باستمرارٍ ، ويضيفه إلى خبراتٍ كثيرة مماثلة خلال التاريخ الإسلامي.

يكيتي ميديا: دكتور.. هناك بعض من اللغط والآراء في الشارع الكُردي حول اختطاف الشهيد الدكتور معشوق الخزنوي، وتغييبه والمساعي التي قمتم بها شخصياً، حتى لحظة العثور على جثته ، وجميعنا يعلم مدى التقارب والصداقة البينية التي جمعتكم .. هل من شيءٍ تودّون إضافته بهذا الخصوص للشارع الكُردي؟. –

الشيخ معشوق الخزنوي أستشهد بسبب فكره الجريء الحر .

الدكتور محمد حبش: معشوق رمز كفاحٍ ورسالة فداءٍ ..لقد تشرّفت بصحبته سنوات طويلة، وكنا نشعر كلّ يومٍ بتوحّد الرسالة التي نحملها، وكنت أشعر تماماً أنني أمام زعيمٍ تحرّريٍ و إصلاحيٍ نبيلٍ ، وكنت أعلّق عليه الآمال الكبار… ولكنني لم أكن أعلم بالفعل أنّ الأجل أعجل..

رؤيته النبيلة لمستقبل كُردستان هي التي أقنعتني بمجد هذا الشعب النبيل وحقّه في قيام دولةٍ كُرديةٍ مستقلّةٍ تتفاعل فيها حضارته وثقافته بعد هذا الظلم الكبير الذي أصاب الشعب الكُردي خلال التاريخ…

ربّما يسعني القول بأنّ الكُرد كانوا أسبق من زمانهم وتوقّعوا أنهم دخلوا الحضارة الحديثة والدولة الحديثة وتصوّروا أنّ بإمكانهم أن يحموا ثقافتهم وقيمهم في دولةِ مواطَنةٍ حديثةٍ بدون ربطها بالقوميات، ولكن ما جرى خلال مائة عامٍ أنهم وقعوا ضحايا ثلاثيٍ مرعِبٍ من التعصّب القومي الشوفيني بين المشروع الفارسي والبعثي العربي والتركي الطوراني، وخلال مائة عامّ عانى الكُردي أبشع المظالم وبات من حقّه أن يرى شمس الحرية ويعيش قيمه وتاريخه وثقافته وتجربته…. بكلّ بساطةٍ لماذا نعتبر بلاداً مثل جيبوتي وقطر والكويت ولوكسمبورغ ولنخشتاين دولاً ذات سيادةٍ ونجبن عن الاعتراف بحقّ الكُرد في دولتهم على أرضهم التاريخية.

أمّا الشيخ معشوق رحمه الله فقد قال رسالته بوضوحٍ، وكتب الله تعالى له شرف الشهادة، ولا أشكّ أبداً أنه استشهد بسبب فكره الجريء الحرِّ، فقد كان موقفه شجاعاً ضدّ الجلّادين في أجهزة النظام، وكان شديداً أيضاً ضدّ سدنة الوهم الذين عانى منهم أقسى المعاناة.

وكلّ ما أملك قوله أنّ الثلاثة الذين رأيناهم على التلفزيون هم بالفعل من جاءني قبل أسابيع من اختطاف معشوق وحذّروني بوجوب فراق معشوق وإلا… لم أكن آخذ الأمر بجديّةٍ ولم أتوقّع أنّ الأمور قد تبلغ ما بلغت حتى قضى الله أمراً كان مفعولاً.

يكيتي ميديا:  كان لكم دور وتواصل مع كلّ الأطراف اثناء ما نسمّيه نحن الكُرد بانتفاضة قامشلو، وقد تفضّلتم بسرد أهمّ نقاطها في مقالّ مشهورٍ لكم، بعض ممّا لم تذكروه كمشاهداتٍ لو تكرّمتم؟.

الذاكرة الكردية نبيلة وتحمل أنبل مواقف الفداء خلال التاريخ .

الدكتور محمد حبش: لقد زرت في أعقاب الانتفاضة مدينة قامشلو ومدينة عامودا إضافةً الى تل علو وتل معروف وحلوة وعين ديوار وديريك وغيرها من مناطق الجزيرة الخضراء والتقيت كثيراً من الشرفاء الذين شرحوا بأمانةٍ ووعيٍ مشهد الثورة البيضاء الذي أطلقه الكُرد على ثورتهم النبيلة، وفي تلك البقعة الخضراء التي تشرق فيها شمس كُردستان تابعت تاريخاً طويلاً لهذا الشعب النبيل وهو يقدّم للحياة أروع دروس الوفاء والتضحية، وهي دروسٌ تختزنها الذاكرة الكُردية عبر أبطالها الأسطوريين، وفي التاريخ تشير “شاهنامة” وهي أهمّ كتب الأدب الفارسي إلى البطل الكُردي كاوا الحدّاد الذي قاوم ببسالةٍ مظالم النمرود وكافح لتحرير الأمة الكُردية ورفع المظالم عنها وخلّصها من النمرود الضحاك الطاغية،

الذي كان طاغيةً جباراً يحمل على ظهره الأفاعي ويطعمها من دماء الكُرد، ولا يكفُّ عن الظلم والقهر، وكنت أقرأ في عيون الكُرد في تلك الرقعة الخضراء فخرهم بكاوا الحدّاد الذي كان شاباً كُردياً ثائراً، قرّر أن يضع حدّاً لمظالم نمرود ضدّ الكُرد، واستطاع أن يكسر باب قصر النمرود ويوقد النار فيه رمزاً للثورة والإباء، وتعاون مع أفريدون واستطاع أن يحمل النمرود مقيّدأً إلى جبال دموفاند حيث خلّص الأكراد من ظلمه وطغيانه في يوم نيروز فصار النيروز عيداً للحرية والخلاص من الظلم.

الذاكرة الكُردية غنيةٌ وتحمل أنبل مواقف الفداء خلال التاريخ، وهي قادرةٌ أن تعطي المزيد حين تجد ظروف الحرية والكرامة.

يكيتي ميديا: القضية الكُردية كانت قضيةً مهمَّشةً أو قضيةً متَّهمةً أو ممنوع الاقتراب منها عربياً، لكن الآن أصبحت من صلب اهتمامات الشارع السوري، والكلُّ يدلو بدلوه في إيجاد مخرجٍ مقبولٍ وحلٍّ منصِفٍ لها في الإطار السوري، وانتم كنتم من السبّاقين في متابعة حيثياتها.

كيف يرى د. حبش الشكل الأنسب لحلّ القضية الكُردية اليوم؟.

الفيدرالية ضمن سوريا الموحدة هي الحل المناسب للقضية الكردية في هذه المرحلة .

الدكتور محمد حبش: الحلُّ بالتأكيد ليس في التقسيم ، بل في الإقليم… يجب أن لا نسمح للتاريخ أن يستمرَّ في ظلم هذا الشعب الكُردي مائة عامٍ أخرى، فما عاناه الكُرد منذ سايكس بيكو من مظالم تنوء بحملها الجبال، فقد حقّق الكُرد في العراق تقدّمأً جيداً، ونجحوا في أن يقدّموا الإقليم الأكثر استقراراً وتطوّراً وانسجاماً في العراق المضّطرب، وبات من الممكن أن يفعلوا الشيء نفسه في سوريا، إنّ الجهود الفيدرالية ضمن سوريا موحّدة هي حلٌّ مناسبٌ في هذه المرحلة، ويمكن أن يحقّق الأمن والسلام و التطوّر لهذا الشعب الصابر.. وحين تقوم ديمقراطيات ناضجة، فكلُّ الحلول تكون مطروحةً عبر إرادة السلام والحوار والتعاون.

الإنسان أولاً… وكلُّ حلٍّ يحقّق الاستقرار والسعادة للإنسان في هذا الإقليم العزيز من سوريا الذي يعيش فيه العرب والكُرد منذ قرون طويلة، فهو أمر جيد، وقد نختلف على بيان الصيغة الأكثر ملاءمةٍ للوحدة و التحرّر، ولكن يجب القول دون أدنى شكٍّ إنّ النمط الذي ساد خلال مائة عامٍ من تهجير الكُرد وإكراههم على ترك ثقافاتهم وتاريخهم كان نمطاً بائساً شريراً ولم يحقّق للمنطقة ولا لسكّانها من العرب والكُرد أيّ فرصة تقدّمٍ حقيقيٍ ، على الرغم من القدرات الهائلة في المنطقة زراعياً ونفطياً لبناء حياةٍ كريمةٍ قوية.

يكيتي ميديا: هناك من يرى بأنّ مفهوم المساواة بين الرجل و المرأة يصطدم مع التعاليم الإسلامية، من حيث النظر إلى المرأة، في الميراث و الشهادة أمام المحاكم وفي القيادة، وكذلك في” تعدّد الزوجات” … ما هو ردكم؟-

لا معنى لأي تطور يتجاهل مشاركة المرأة في الحياة وبنائها

الدكتور محمد حبش: لقد ناقشت ذلك طويلاً في كتابي المرأة بين الشريعة والحياة، وكان الشيخ معشوق رحمه الله يدرّس هذا الكتاب في مركزه التنويري في قامشلو، وقد أسعدني مراراً بملاحظاتٍ واقتباساتٍ هامةٍ منه، وعلى رغم ما واجه هذا الكتاب من الصخب والجدل بين المشايخ وما صدر بحقه من فتاوى تكفيرٍ فإنه طُبِع بعد ذلك سبع طبعاتٍ ، وهو يطالب بدورٍ أكبر للمرأة في الحياة السياسية و الاجتماعية، ويطالب بتحرّر المرأة من الجهل والتخلّف والعزلة التي فُرِضت على المرأة في القرون الأخيرة..

ولكم شدّني إلى هذه التجربة الكُردية الرائعة دور المرأة الكبير و المسؤول فيها، وحين أتخيّل المدينة الفاضلة التي أطلقها الرسول الكريم فلا أستطيع أن أتصوّرها إلّا رجلاً وامرأة، يتناوبان القوة والحنان، والعزيمة والجمال، والعطاء والرحمة.

إنه من المؤلم أن يتمّ تغييب المرأة عن الحياة، وان تُتَّهمُ الشريعة بأنها أقصَت المرأة وغيّبتها، في حين أننا نراها في القرآن الكريم نبيّةً يوحى إليها كما هو حال مريم ويوحانذ أم موسى وامرات عمران، وقائداً سياسياً يقود الجيش والمعارضة كما رأيناه في شخصية عائشة، وأكبر داعية تحريرٍ للإنسان وإعتاق للعبيد كما رأيناه في شخصية خديجة…

الجاهلية هي التي فرضت على المرأة الخنوع وغيّبت مسؤوليتها وإرادتها وراء النقاب الظالم، وشروط الحياة القاسية، ومنعتها المشاركة في الحياة، فيما أقامها الإسلام شريكاً كاملاً في بناء الحياة

تحرير المرأة أول شروط النهضة ولا معنى لأيّ تطوّرٍ يتجاهل مشاركة المرأة في الحياة وبنائها.

قد يعجبك ايضا