الدّين كيف استُغِل لإضعاف الشعور والوعي القومي الكردي؟

محمد زكي أوسي

ثمة إشكالية أضعفت وما تزال الشعور والوعي القومي لدى الكرد, وهي التأثير الديني والمذهبي اللذين طغيا ومازالا عند الكثير على الشعور والوعي القومي, لا شك أن العرب ومن بعدهم الترك والفرس الذين حكموا الكرد وغيرهم باسم الإسلام, قد استغلوا الدين الإسلامي واجهة في ظل هيمنتهم على مقدرات العالم الإسلامي, في عملية إيجاد توافق بين قومياتهم الحاكمة والإسلام بشكل أو بآخر.

وهنا لا بد من توضيح التباس في مجال الدين, أقصد ضرورة الفصل بين الدين والفكر الديني وحاملي لوائه, لأن الّدين أياً كان مجموعة نصوص مقدسة, ثابتة تاريخياً, وهو عبارة عن العلاقة بين الإنسان ومعبوده الله سبحانه وتعالى الذي يؤمن به الإنسان ويشعر بالخضوع له, ويعبر الإنسان عن هذه العلاقة بطرائق وطقوس عديدة تتمثل في العبادة وتطبيق القواعد والنواميس الدينية في سلوكه بالحياة, في حين أن الفكر الديني يعني: الإجتهادات البشرية لفهم تلك النصوص وتأويلها, واستخراج دلالاتها, وطبيعي إختلاف تلك الإجتهادات من عصر إلى عصر ومن بيئة إلى أخرى, وتتعدد الإجتهادات بنفس القدر من مفكر إلى آخر في بيئة وعصر واحد أو بحسب ما يطلب من العالِم المجتهد من قبل الحكام, وهنا تجب الإشارة إلى ظاهرة وعّاظ السلاطين التي شاعت وما تزال, والدين جزء لا يتجزأ من البنيان القومي وسلاح ذو حدين, فحين يتمأسس الدين يضفي الشرعية على الايديولوجيا السائدة, أو يبرر الإضطهاد والإستغلال ويعتبرها أمراً مشروعاً, والمثال على ذلك الخطاب المعاصر المنسوب إلى الدين والذي كثيراً ما يتلاعب مع النصوص الدينية وفقاً للإيديولوجيا لسائدة, وتجيير النص لأهداف معينة أو أو إلباسه معنىً جديداً, أليس الكرد كفرة وعصاة؟ ألم يُحلُّ دمهم ومالهم وعرضهم؟ ألم تعتبر محاربتهم جهاداً مقدساً, أين مقولة الإسلام في هذا كله من خلال الآية الكريمة: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾. إنها أسئلة برسم الإجابة وفقاً لجوهر الإسلام من لدن المفتيين والعلماء في الدول الإسلامية وخاصة منها الغاصبة لكردستان.

على هذا الأساس أصبح الإسلام بتمأسسه وسيلة تطويع الكرد منذ غابر الأزمان وحال دون تحقيق تطلعات الكرد في الحرية وإقامة كيان كردي مستقل وتحقيق يقظة الشعور القومي الكردي, وماذاد الطين بلةً أن الأمم المهيمنة, استغلت الإسلام لبناء امبراطورياتها, وحافظت من خلاله على هويتها القومية, وجعلت منه جسر عبور لتحقيق غاياتها, في ذات الوقت الذي صار فيه الكرد جسراً عبر فوقه الآخرون لتحقيق أهدافهم.

ولابد في المجال والأمد المنظور من ذكر استغلال مصطفى كمال الأيديولوجيا الدينية في كسب العشائر الكردية لضرب أعدائه, حتى اعتقدت تلك العشائر أن أتاتورك حامي الخلافة الإسلامية وتردد اسمه في الأغاني التراثية الكردية, إلى أن كشف القناع عن وجهه الحقيقي وأظهر الطورانية وحاول جاداً صهر الكرد في بوتقتها, بل ونكل بهم, ومثله فعل الخميتي في عام 1979م. وما بعده – والذي جاء إلى طهران ليتسلم مقاليد الحكم بعد مغادرة الشاه لها بأوامر أمريكية – غربية وفقاً للاتفاق الذي تم في جزر غوادلوب بين قائد ما سُميَ وقتها بالثورة الإسلامية (الخميني) من طرف والغرب والأمريكان من طرف آخر, وما إن استقرت له الأمور حتى نكّل بدوره بالكرد وارتكب بحقهم جرائم وحشية غدراً وخيانة ليس أقلها اغتيال القائدين الشهيدين قاسملو وشرفكندي, أما صدام حسين فقد لجأ بدوره أيضاً إلى استغلال الدين ورجاله لضرب الكرد بوحشيته المعهودة وعلينا تذكر محاولة اغتيال البارزاني الخالد عن طريق رجال الدين المفخخين إلا أن رعاية الله كانت أقرب, ألم يطلق على عمليات الإبادة الجماعية للكرد (الجينوسايد) اسم الأنفال ؟ تيمناً بسورة قرآنية كريمة لسببين الأول:  إثارة شعور الكراهية للإسلام لدى الكرد فهم يبادون باسمه وكتابه, والثاني لإضفاء القداسة على عدوانه الوحشي وينال مباركة البسطاء والسذج من خلال إظهاره الكرد مشركين وكفرة بوساطة أبواقه من وعّاظ السلاطين, أما في سورية فالأمر نفسه جرى ومازال فالمجتمع الكردي الواقع تحت تأثير أفكار من الواعظين المفترين مثل وجوب قيام الوحدة الإسلامية مع العرب والترك والفرس ضد الكفر وهذا ما عانت منه كثيراً (جمعية خويبون) الكردية التي تأسست في 5/11/1927م. حيث تطلب الموقف منها الانسجام بين خطابها القومي ومثل هذه الموضوعات المحلية, لتتمكن من نشر أفكارها القومية بين الكرد, كتب الباحث (مارتن فان برونسن) بهذا الصدد يقول: (إنه كان يوجد في عامودا بعد الحرب العالمية الأولى كثير من الشيوخ الدينين الذين فرّوا من تركيا وكان أغلبية سكان هذه البلدة من مريديهم وعندما كانت المنطقة تحت الانتداب الفرنسي, أجبر الفرنسيون أعضاء خويبون من المتنورين على الإقامة في عامودا, وكان مستحيلاً على هذا التنظيم العمل في البلدة لأن الشيوخ كان يلعنون القومية وآراء خويبون الخارجة عن الدين, وكان شيوخ القادرية خصوصاً يعدون أنفسهم عرباً أكثر من كونهم كرداً, يكررون صباح مساء بأنهم لا يعرفون سوى أمتين هما أمة الإسلام وأمة الكفر وأن القوميين وثنيون.

وتحت شعار الأخوة الإسلامية قاتل الكرد إلى جانب العرب في سوريا والعراق ضد الفرنسيين والانكليز ومع الترك ضد اليونان والروس, دون جدوى, فقد كان هذا الشعار ومايزال ضريبة يدفعها الكرد فقط, لأن الوقائع التاريخية لم تقدم دليلاً على إيمان الترك والفرس والعرب بهذه لأخوة, فالكرد نالوا القهر والظلم, وهذه الأخوة ترتد عليهم باستمرار على شكل طمس الشعور والوعي القومي, وكذلك مشاريع عنصرية لا تُعدُّ ولا تُحصى, هذا إلى جانب التنكيل الوحشي بالكرد ومحاولات الإبادة الجماعية بحقهم, الكرد الازديون مثلاً (74) مرة حاولوا إبادتهم, فإلى متى؟

 

المقال منشور في جريدة “يكيتي” العدد 268

قد يعجبك ايضا