الرأي الآخــر في الحياة الحزبية

بدران مستو

 

الرأي الآخر هو امكانية جواز حرية التعبير, عن الآراء والأفكار المختلفة, بأساليبها العديدة من القول والفعل والكتابة, على أساس الوعي والمنطق السليم, بعيداً عن سوق الاتهامات ولغة المهاترات, بما يساهم في تطوير الحزب, وتعزيز الممارسة الديمقراطية بين هيئاتها وأعضائها, ويحافظ على وحدة الحزب وسلامته. إن العلاقة بين العضو وقيادة الحزب, يجب أن تكون مغايرة تماماً لعلاقة المراجع الدينية, أو العقائد المتزمتة مع أتباعها, على ما هي عليها من تبعية وانصياع ,والتي تعتبر مجرد مناقشة أو التشكيك في جدوى أو صحة بعض الأفكار والمعتقدات الخاصة بها من المحظورات, وعادة ما يتهم الرأي المخالف في مثل هذه الحالات بالتكفير, أو الانحراف والخيانة.

وهذا ما يدعو إلى أن تكون العلاقة الحزبية قائمة على أساس الالتزام الواعي, واحترام الرأي الآخر, وممارسة النقد البناء, لتنمي ولتعزز من استخدام الآليات الديمقراطية, في معالجة مختلف القضايا الإشكالية الطارئة في المسيرة الحزبية, عبر الحوار الهادف والمسئول, كما أنها تهيئ الظروف المشجعة للحيوية والنشاط والإبداع, مما يوفر لدى الحزب كم هائل من الآراء والأفكار والدراسات, المستوحاة من البنى الاجتماعية المختلفة للأعضاء, والمشارب الثقافية المتعددة لهم, فيتشكل خزان معرفي وسياسي كبير, يمكن صياغتها والبناء عليها أو الأخذ بها في المحافل الحزبية. وقد يخرج أحياناً البعض من الأعضاء عن المنهج السليم في تناول بعض مواضيع الاختلاف ويبتعد عـن الهدف المحدد له فتتحول إلى مهاترات واتهامات دون دليل بل وإلى أكاذيب أحيانا أخرى، فتنقلب الأمور رأسا على عقب، وبدلا من أن تكون هادفة ذات معنى تتحول إلى أمور في غاية الإسفاف والانحطاط والتعصب الأعمى للـرأي الفردي وتجاهل الرأي الآخر، الأمـر الذي من شأنه أن يؤدي إلى تدهور العلاقات فيما بين الأعضاء ،وزرع الكـره والحقد فيما بينهم ,ويعود سبب التعصب هذا إلى العديد من الأسباب ،نذكر منها التمسك بالأعراف والعادات العشائرية البالية ،الايمان بالعقائد الأيديولوجية , التأثر بأساليب الأنظمة الشمولية في الهيمنة على السلطة.

ولقد جاءت في معظم النظم الداخلية للأحزاب الكُـردية فقرات, تدعو الى مراعاة واحترام الرأي الآخر, للتعبير عن ذاتها ومكنوناتها, ولكنها للأسف بقيت حبراً على ورق, بسبب استمرار نزعة الهيمنة, وضعف ثقافة الحوار لدى أغلب القيادات الكردية, هذه الأجواء الغير الطبيعية في الحياة الحزبية, أفقدتها بريقها, وسـر جاذبيتها وديناميكيتها, وغيبت الممارسة الديمقراطية في صفوفها, مما أدى إلى فقدان روح المبادرة والإبداع, والحس العالي بالمسؤولية, فسادت البيروقراطية, وظهرت التكتلات الحزبية, بوشائجها المختلفة السياسية والعائلية والعشائرية, ومع مـرور الزمن, وبالإضافة إلى غيرها من الأسباب, بـرزت تصدعات تنظيمية كثيرة, أوصلت الحركة الكُـردية على ما هي عليه اليوم إلى هذا العدد الكبير من الأحزاب, والذي لا يقبله أي منطق اجتماعي سليم.

إن المنطق التنظيمي السليم يؤكد دائماً, أنه لمن المستحيل أن يكون العضو حـراً, وهـو لا يستطيع التعبير عـن رأيه, ومن المحال أن يحافظ الحزب على وحدته واستقراره, في ظل سطوة القيادة وغياب الممارسة الديمقراطية, ومن العسير ترتيب البيت الكُـردي, في ظل انعدام ثقافة الحوار, والتفاهم المشترك, واحترام الرأي الآخر بين أطرافه.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عــن رأي Yekiti Media

قد يعجبك ايضا