آراء

السلطة السورية توقظ معارضة الداخل

د. محمود عباس
ظهور مذكرة التفاهم بين هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي وجبهة التغيير والتحرير، المنشورة اليوم ببنودها الستة على المواقع، والتي تلتها مؤتمرهم الصحفي بموافقة مبطنة من السلطة السورية في وسط دمشق، مرافقاً لسقوط البراميل المدمرة على الجانب الآخر من العاصمة، تبين عن حاجة السلطة لهم في الفترة الحاضرة.
هيئة التنسيق الوطنية، كما انتبه إليها العالم، معارضة تستيقظ وتخلد إلى سبات عند الضرورة، وحسب متطلبات المرحلة، خرجت مع رفقة جديدة لتظهر ذاتها على إنها نشطة وتتمكن من جمع القوى المعارضة المسماة بالداخلية جدلاً حولها. المعارضة التي لا تختلف عن الجبهة الوطنية التقدمية والتي كان والد بشار الأسد يعتمد عليها في تلفيقاته السياسية مع العالم، مدعياً حينها بإن سوريا تحكمها عدة أحزاب، إلى أن أصبح التكتيك سياسة متبعة من قبل خليفه، فسار عليها بشار الأسد مستخدما نفس الطرق في تعامله مع الشعب السوري والعالم الخارجي، ورغم نفاقه التي يدركها الجميع، ظل البعض من دول العالم ساكتة أو مؤيدة على نفاقه ذاك.
خلقت السلطة السورية الشمولية معارضة الداخل تحت اسم هيئة التنسيق لغايات متعددة، لتستخدمها حسب ضرورات المرحلة، فهي السلطة الشمولية التي تجهز العديد من الخطط معاً، في حال فشل إحداها، تقوم بطرح التالية على الساحة. فعودة الهيئة مع تيار جديد إلى الساحة بنشاط كمعارضة داخلية، يسمح لها مهاجمة سلطة غارقة في الإجرام، وتتجرأ على مطالبتها بالرحيل، بديل سياسي عن تلكأت السلطة العسكرية، وهي التي كانت في العتم يوم كانت السلطة تحرز النجاحات في بعض المناطق، وظهورها الأن دليل على انه هناك إخفاقات عسكرية ما، وإلا فهل يصدق عاقل أنه بإمكان منظمة نشر التصريح التالي وقادتها يتجولون في فنادق دمشق ويقيمون ندوات صحفية أمام عين السلطة! (…الانتقال من النظام الاستبدادي القائم إلى نظام ديمقراطي تعددي ضمن دولة ديمقراطية مدنية …) إن لم يكونوا أداة من أدواتها المتنوعة. لا شك أن قادة هذه المعارضة يستهزؤون بعقول الناس، والسلطة تستهزئ بمصيرهم وبقدر سوريا.
أوقظتهم سلطة بشار الأسد من سبات طال أكثر من سنة، تحت ظروف متغيرة بدأت تواجهها، وارفقوها مع دعمهم لداعش وعرضها بشكل أكثف، للتحرك على عدة محاور، والتحرك أغلبه كان على خلفية النبأ الذي ظهر في الإعلام حول اتفاق 16 منظمة من منظمات المعارضة المسلحة في الداخل والعمل تحت قيادة واحدة لمواجهة السلطة، إضافة إلى تحرك الولايات المتحدة الأمريكية لتشكيل معارضة معتدلة، ورغم أنهما لا يزالان في الواقع النظري، لكنهما مع ذلك كانتا كافيتان لتحركان السلطة السورية والقوى المساندة لها والعمل على عدة محاور، من ضمنها إيقاظ هيئة التنسيق، وإرسال مجموعة إلى إحدى ساحات دمشق لتطالب السلطة بالتحاور مع المعارضة، وبالطبع هؤلاء كانوا يعنون بالمعارضة، هيئة التنسيق وجبهة التغيير. كما ورافق هذا التحرك، تفعيل لأدواتها الميدانية وعلى رأسها منظمة داعش، والبعث العراقي، فلم تكن هجمات داعش المفاجئة على الكرد في سوريا والعراق إلا من هذا المنطلق.
ويتحير البعض، لماذا الكرد بالذات دون الأخرين؟! يطرحون السؤال المحير دون الانتباه إلى أن كل الأعين تتجه إلى المعارضة الكردية، كقوة سياسية وعسكرية تحمل صفات المعارضة السورية الوطنية المعتدلة، والإقليم الكردستاني حتى اليوم يحتضن أكثر من ربع مليون لاجئ كردي سوري، معظمهم من المعارضة المعتدلة، ونصفهم من الشباب المهيؤون لحمل السلاح، والقوة الكردية السورية، بإمكانها أن تكون مركز المعارضة المعتدلة، التي تبحث عنها أمريكا وأوروبا، وحولهم سيكون التجمع القادم، والسلطة السورية تدرك هذا، وتحاول أن تقضي على الديمغرافية الكردية في سوريا، وتضرب الإقليم عسكريا، ولا شك إن هذه الغاية تلاقت وأحقاد بعض القوى الإقليمية الأخرى ضد الكرد وطموحاتهم بحق تقرير المصير.
فاجتياحات داعش المفاجئة لمناطق عسكرية، كانت مخططة لها، ورافقتها إخلاء لترسانات من أسلحة الجيشين، السوري والعراقي، ووجهوها بعد ذلك مباشرة إلى المنطقتين الكرديتين، كما وإخلاء السلطة مدينة الحسكة بسحب قواتها وقياداتها الأمنية والسياسية منه تندرج ضمن التكتيك الكلي، وربما التدخل الأمريكي في بعضه غيرت مجرى الحوادث. والذين هم على راس العمليات يدركون مدى أهمية التدخل الخارجي، ولذلك صدر القرار من منظمة داعش بالانسحاب من منطقة الإقليم الكردستاني، لكن في سوريا لا تزال الخطة جارية كما وضعتها السلطة، آملين بأنه لن يكون هناك تدخل خارجي، وللتركيز على هذه النقطة، كان بندين من المذكرة الصادرة، موجهة لمعارضة التدخل العسكري الخارجي في سوريا، ويقصدون بالعسكري ليبقيان الباب مفتوحا للتدخلات الإيرانية والروسية تحت يافطة التدخلات السياسية. وكأن القوى الخارجية كانت ستدمر الوطن فكرا وبنية أكثر مما فعلته سلطة بشار الأسد وشبيحته والمجموعات الإرهابية التي شكلتها وغذتها حكومته.
تستهدف هجمات داعش، المخططة في أروقة السلطة السورية والإيرانية، المنطقة الكردية في سوريا للقضاء على ديمغرافية الكرد المتبقية بعد التهجير المخطط الواسع منه، ولتقزيم دور الكرد وإبقاء القوة المسيطرة فيها قزمة مأمورة، والإتيان على المستقبل الكردي في المنطقة، ومن المتوقع إنهم في القادم من الزمن سيوجهون إليها داعش بقوات واسعة، لتقليص الجغرافية الكردية، ولا يستبعد أن يكون قضاء تاما في حال نجاح السلطة. ومن الجهة السياسية ركزت مذكرة هيئة التنسيق في أول بند لها على وحدة سوريا أرضا وشعباً، وهو في الواقع موجه إلى الكرد، وإلى مطلبهم في الفيدرالية السورية ولا مركزيتها.
المذكرة في بعدها العام تهديد مبطن للكرد والطوائف الدينية وللمعارضة الوطنية، ودعم لاستمرارية السلطة، بخباثة سياسية، يبينون على أنه هناك في سوريا وبوجود سلطة بشار الأسد يمكن العمل بشكل علني ضمن معارضة داخلية، وإن السلطة الموجودة هي سلطة ديمقراطية، وتسمح بوجود المعارضة الوطنية، متناسين التعارض الذي يقحمون ذاتهم فيها. إذا كانت السلطة الموجودة ديمقراطية فلماذا المطالبة بتغييرها واتهامها بالاستبداد، أم أنهم يتحدثون عن سلطة غير سلطة بشار الأسد؟! ولماذا يطالبون بعزل حكومة ديمقراطية! واستنادا على منطقهم ذاك لم يوجهوا إدانة ولو بكلمة إلى السلطة السورية ولم يشيروا إلى مجازرها وتدميرها للوطن. بل من خلال بنودهم يلقون بتبعات تدمير الوطن والمآسي على الثورة السورية ويلصقون المنظمات التكفيرية بهم. المطروح هي لهجة السلطة ورطانتها بلسان هيئة التنسيق، وهم بهذا يتغاضون عن دور السلطة وإيران في خلق معظم التيارات التكفيرية في العراق وسوريا، ويبرؤونها من جر الثورة السلمية التي كانت بين الشعب والسلطة إلى صراع مسلح وطائفي بين السنة والشيعة.
لو كانوا فعلا معارضة وطنية نزيهة، لكانت بنودهم غيرها ومطالبهم مخالفة، وأدانوا السلطة وجرائمها ومجازر أدواتها مثل منظمة داعش وغيرها.
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
Mamokurda@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى