آراء

السلم الأهلي في الحسكة… حين تكون الذاكرة أقوى من خطاب الكراهية

جيندار بركات

رغم ما أُعلن مؤخراً عن اتفاقات بين قوات سوريا الديمقراطيّة والحكومة السوريّة، ورغم ما يُفترض أن تحمله هذه الاتفاقات من تهدئة وانفراج، لا يزال خطاب الكراهية يتسلّل بقوّة إلى وسائل التواصل الاجتماعي، ويطفو على السطح كلما سنحت الفرصة.

خطابٌ لا يعكس حقيقة الأرض، ولا يُشبه المجتمع الذي عاش قروناً طويلة على التنوّع والشراكة، وخاصة في محافظة الحسكة.

الحسكة ليست مجرد جغرافيا تجمع الكُرد والعرب معاً، بل هي تاريخ طويل من العِشرة، من الخبز والملح، من الجيرة التي تحوّلت مع الزمن إلى مصاهرة، ومن العلاقات الاجتماعيّة العميقة التي تجاوزت حدود العِرق واللغة والانتماء السياسي، في هذه المحافظة، لم يكن الكُرد والعرب (مكوّنين متجاورين) فحسب، بل نسيجاً واحداً تشابكت خيوطه عبر مئات السنين.

من يراجع الذاكرة الاجتماعيّة للحسكة، يدرك أنّ المصاهرة بين العائلات الكُرديّة والعربيّة لم تكن استثناءً، بل حالة طبيعيّة، كذلك علاقات الكرافة (الكريفاتي)، التي تحمل بعداً أخلاقياً واجتماعياً عميقاً، حيث يصبح الرابط أقوى من أي خلاف سياسي عابر.

هذه العلاقات لم تُبنَ بقرارات فوقيّة، ولا بشعارات إعلاميّة، بل تشكّلت بفعل الحياة اليوميّة، والعمل المشترك، والعيش في القرى والأحياء نفسها، وتقاسم الفرح والحزن.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار أنّ محاولات بث الفتنة بين مكوّنات المجتمع السوري، وخصوصاً بين الكُرد والعرب، لم تتوقف، فالنظام السوري البائد، وعلى مدى عقود، اعتمد سياسة (فرّق تسد) كنهج ثابت في إدارة البلاد، سعى إلى إذكاء الشكوك، وتغذية المخاوف، واستخدام الهويات القوميّة والدينيّة كأدوات للضبط والسيطرة.

حاول مراراً تصوير العلاقة بين الكُرد والعرب على أنّها علاقة صراع، لا شراكة، وعلى أنّها تناقض وجودي، لا تنوّع طبيعي.

لكن كل تلك المحاولات اصطدمت بحقيقة راسخة: الأخوّة التي صمدت أمام سياسات القمع والتهميش كانت أقوى من خطاب التحريض، العلاقة التاريخيّة بين الكُرد والعرب في الحسكة لم تُبنَ على المصالح الظرفيّة، بل على العيش المشترك، وعلى إدراك متبادل بأنّ مصير الجميع واحد، وأنّ أي كسر في هذا التوازن لا بد أن يرتدّ على الجميع.

اليوم، ومع تصاعد خطاب الكراهية على منصّات التواصل الاجتماعي، يبدو واضحاً أنّ هناك من يسعى إلى تعويض فشله على الأرض بإشعال الفتن في الفضاء الافتراضي، حسابات مجهولة، وصفحات تحريضيّة، ولغة تخوين وإقصاء، تحاول تصوير أي خلاف سياسي على أنّه صراع قومي، وأي تباين في الرأي على أنّه عداوة تاريخيّة.

هذا الخطاب لا يخدم السلم الأهلي، ولا يعبّر عن صوت الشارع الحقيقي في الحسكة، بل يخدم فقط أعداء هذا البلد، وكل من يتغذّى على الانقسام والفوضى.

إنّ أي اقتتال كُردي–عربي، مهما كانت ذرائعه، لا يمكن أن يكون في مصلحة سوريا، ولا في مصلحة أبنائها، هو طريقٌ مسدود، لا ينتج سوى المزيد من الدم والخراب، ويمنح القوى المعادية فرصة ذهبيّة لتكريس الفوضى، وضرب ما تبقّى من نسيج اجتماعي، التجارب القريبة والبعيدة أثبتت أنّ الخاسر الأول من الصراعات الداخليّة هو المواطن البسيط، وأنّ الرابح الوحيد هو من يقف في الظل وينتظر لحظة الانهيار.

السلم الأهلي في الحسكة ليس شعاراً يُرفع عند الحاجة، بل هو مسؤوليّة جماعيّة، تبدأ من اللغة التي نستخدمها، ومن الطريقة التي نختلف بها، ومن قدرتنا على الفصل بين الخلاف السياسي والعلاقة الاجتماعيّة.

من حق الجميع أن يختلف، وأن ينتقد، وأن يطالب بحقوقه، لكن ليس من حق أحد أن يحوّل هذا الخلاف إلى وقود للكراهية.

ربما تكون الاتفاقات السياسيّة خطوة في مسار طويل ومعقّد، وقد تنجح أو تفشل، لكن ما يجب ألّا يُمسّ هو عمق العلاقات بين الناس، فالدول تُدار بالسياسة، أما المجتمعات فتُبنى بالثقة والاحترام المتبادل.

وإذا كانت الحسكة قد صمدت بكل تنوّعها في وجه عقود من السياسات الإقصائيّة، فهي قادرة اليوم أيضاً على إفشال أي محاولة لزرع الفتنة.

في زمن الضجيج العالي، يبقى صوت العقل أضعف، لكنّه الأصدق. ويبقى السلم الأهلي هو الخيط الرفيع الذي إن انقطع، سقط الجميع في الهاوية، لذلك، فإنّ حماية هذا السلم ليست خياراً، بل ضرورة، ومسؤوليّة أخلاقيّة قبل أن تكون سياسيّة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى