الشاعر حسان عزت يسرد ل ( يكيتي ): الجدّة أم سلطانة وقصيدة لي صديقٌ من كُردستان

حينما يطغى البوح الوجداني وبإبداعٍ على آلية الحوار ، وبالأخصّ من قامةٍ بشخص الأستاذ حسان عزت الشاعر ورسول الورد ، والذي يصرّ أن يبقيك في محراب الكلمة ، فيجسّد من خلالها محبّته ،وبإسلوبه يفتح جعبة ذكرياته، وينثر فوح وروده من جهةٍ ولتنساب معها جذور عميق إنسانيته ، نعم ! هو صاحب إطلالاتٍ رائعة بمواقف ، وشغفٍ مملوء بهواجس تخلق في الجمال أروعه ، والتي أصبحت ركيزة لمحبةٍ وودٍّ مشترك حتى بين المتناقضين ، نعم هو الشاعر حسان عزت الذي هتف في زمنٍ كان فيه الاستبداد بأوجَه وغنى : لي صديقٌ من كردستان .. وباختصارٌ : فقد شرّفنا الشاعر الكبير مشكوراً في منحنا بعضاً من وقته الثمين ومعها أصرّ على إضفاء نكهةٍ مميّزةٍ وبأسلوبٍ سلسٍ وراقٍ في تحويل الحوار – اللقاء الى ما يشبه البوح الذاتي ، وبسرد أفعمه بروح شاعريته الفيّاضة ، وتطرّق إلى مواقف عملية كان الهدف منها التقرّب من الشعب الكُردي ، والتفاعل العملي والميداني معهم ، فشارك في مناسباتهم ، ولروعة السرد – البوح فضّلنا تجاوز قواعد الحوار الكلاسيكي أمام زخم ما أبدع فيه شاعر الورد من وجدانياتٍ في استذكار التشارك والتعايش العائلي في محيطه من الكُرد والعرب فيقول :

يا الله وانا أتلفّت إلى علاقتي الجميلة وصداقتي الواثقة لشعبي السوري الكُردي الثاني. وأسأل متى بدأت وتشكّلت وشرشت جذورها في الوجدان

أقبل ولادتي في قرية من ريف دمشق كانت يوماً بستاناً لهشام ومروان ابن عبد الملك في تأسيس الدولة العربية.. المليحة الجنينة الجميلة والنبيلة في ذلك البستان وانا أعي جدّتي الثانية الكُردية إلى جانب جدّتي العربية.. جدّتي الكُردية أم سلطانة بدفئها وروحها وحضورها ومخيال حكاياها وهي تروي لنا بأسلوب الحليب والعسل روايات العزّ والشباب عن الأمير الميحور والجميلة الأميرة الوردة التي تفكّ له السحر وتشفيه بصافي شرابها..

وتفاح الصبا من بلاده الذي يكلّف الحبيب قطع الأمصار وركوب الأهوال ومحاربة الأغوال والتنانين واللصوص وقطاع الطرقات.. وعياري المدن.. حتى يفلح أخيراً وينتصر بإحضار تفاح الحبل والخصب من بلاده.. فتحمل المحبوبة بأجمل طفل بعد عقور سنين وانتظار دهور.. ويا الله كم هي مشوّقة وساحرة تلك القصص وكم هي عاصفة وتتجاوز المصاعب والأخطار تلك الحكايا..

ويا خودي ( الكلمة الأجمل) التي تعني الله بالكُردية.. وحفظناها من جدّتي أم سلطانة رسول التي كانت تقضي ليالي الشتاءات المتوحّشة في بيتنا هي وابنتها الوحيدة السمراء

ومن هي أم سلطانة

وماهي قصتها

ولماذا اختارت قريتنا وصداقة بيتنا لتقيم معنا أجمل أعمارنا وتحكي لنا تلك الحكايا التي حفرت تلك العلاقة الأولى والباقية لعلاقة ووشائج

كَرد وعرب في وجداني لا يمحوها الزمن

فهي ليست جدّتي الأولى بل أمي الثانية والتي طالما وعيتها تردّد لي وأنا مفتون ومتعلّق بما تقصّ وتحكي: يا أمي ويا ماما

هذه واحدة

أما التي وعيتها مع الحليب ورضاعة المهد

في أغنية العزّ التي سمعتها وعيتها وحفظها وهي تتكرّر على سمعي

فهي أغنية العمارة والطاقة ( العمران) المتعلّقة بهذا الولد المدلّل الذي هو أنا وأبوه يغنّي له في المهد الأغنية التي حفظها عن أمٍّ كُردية أرضعته صغيراً وهو اليتيم وتقول كلماتها :

عمرولو عمارة

وصفؤا لو طباقة

هذا ابن الكُردية

والدهب ع الطاقية

والدهب صفـّة صفـّة

والدهب عبـّا القفة

عمرو لو تايرقص

أن شالله عمرو مابينقص

عمرو لو عمارة

ورتب لو طباقة

وهاتو الفرس والراية

هدا نمر الحكاية

وهادا ابن الكُردية والدهب ع الطاقية

هذه الأغنية التي كبرت معي من أبي الذي حفظ مقامات الرجولة وذكر للكُرد طيبتهم ورجولتهم وفروسياتهم.. ومع أنّ جده لأمه كان باشا ومعروف بإمارة البر.. إلا أنّ ابي عاش يتيماً فطمع اخواله الأعداء بميراثه وحرموه من قسمٍ منها فعاش عصامياً مكافحاً لم يستفد من باشوية جدّه بشيء و بأنّا نحن أولاده على قيم الرجولة والكرامة والكرم وحفظ مقامات الرجال وعدم التفرقة بين البشر.. أما أمي فأيضاً كانت قريبة لأبي من ناحية جدّ أمه و بتنا على العز ومحبة العمل وتقديسه وكانت وراء تعليمي لترى بي الطائر الحرّ المحلّق بالحرية والأمل و النجاح والحلم والفن

بل كانت ترى بي أنا المتفوّق بالكتاب وحفظ وختم القرآن الكريم وعمري خمس سنوات ترى المنقذ لها من مصاعب ريف وهموم حياة.. والطفل الذي يعوّض عن تقصير إخوته في الدراسة والمدرسة وعدم تكميلهم.. بل في تفوّقه هو ومواهب غنائه وتذوبك صوته ما يعوّضها عن ولد فنان عود ومغن طالما حلمت به وتمنّته يغرّد لها فيغطّي على خشونة حياةٍ وصعوباتها وهي بنت العز والوفرة.. وقد وعت الليرات الذهبية العصملي في زبادي أبيها الذي كان له قطيعٌ كبيرٌ من الأغنام والمواشي.. ثم حطّ به الزمن لكرمه والديون كانت له على الناس وتساهل في تحصيلها إشفاقاً من ظروف صعبة عاشها الناس والريف أواخر الحكم العثماني.. وحرب ( السفر برلك) وقد تزوّج أبي أمي وعمرها 14 سنة وهي المدلّلة لأمها وجدتها وقد توفي والدها باكراً ..

2-

لي صديقٌ من كُردستان

قلت الحريةُ وأعني آزادي

قلتُ الوردةُ

وأعني قمّةَ النار والدّم

وشرفاتِ المجدِ

في شروقه العظيم ليصيرَ سلاماً

قلتُ بلاديَ فعنيتُ جبالَ الطّيوف والألوفِ وأزمانِ النّار والأسى

لا كاوى أغمضَ عينهِ ولا صديقي شيركو بيك اس أحرقَ قَصائدَه

اثنان لا يغمضان من ندم

فارسُ الحرّية وحاملُ وردَتِها

كلاهما مزودان بنار الأبد

وكلاهما يركضان بالشّعلةِ حتّى الأولمب

بيضاء حمراء زرقاء بضياءِ الشّمس ودماءِ الملايينِ بالكفاحِ والصّبر والعطش

وأنا ابن الحرية والشمس

في عناق ملايين الغضب

قمم الجبال الملوّحةَ بالنار

ويا دمي الكُردي

يا دمي العربي المختلَط بالحقيقة والشمس

لم أكن يوماً

بغيّا

أنا وبلادي وشجعانها في السهول والجبال والآماد

بدموع الأمهات

وقلوب الحبيبات

وأرواح الأجداد

خسرو وجمشيد وبافاري

في دروب الرياح في شعاب المخاطر

في أشداق الأغوال والشرر

شر بنا من نبع واحد

وسَالت بأعناقنا القمم والرعود

وبحران المجد

لايستقرّ عرشٌ

ولا يرفرفُ علمٍ

ونحنُ ننامُ عن حقّنا أو نموتُ

أو نَرضى

فارتفع ياعَلَمَ الشْمس بآزادي عالياً

لي صديقٌ من كُردستان..

المادة منشورة في جريدة يكيتي العدد 282

تمت قراءتها 228 مرة

قد يعجبك ايضا