آراء

الشراكة الكُردية الحقيقية: خيار استراتيجي لتعزيز الجبهة الداخلية في كُردستان سوريا

جوان ولي

في ظلّ التحولات المتسارعة التي تعصف بالمشهد السوري، ومع تصاعد الضغوط الدولية و الإقليمية والداخلية على القوى الكُردية، تبرز الحاجة الملحّة إلى إعادة بناء العلاقة بين الأطراف الكُردية في كُردستان سوريا على أسس الشراكة الحقيقية.

لم تعد هذه الشراكة ترفًا سياسيًا أو خيارًا تكتيكيًا، بل غدت ضرورة استراتيجية؛ لضمان الاستقرار وتعزيز التماسك الداخلي في مرحلة مفصلية من تاريخ المنطقة، لا سيما في ظلّ استمرار السياسات الإقصائية التي تنتهجها الإدارة السورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع، والتي لم تُظهر حتى الآن أي مؤشرات جدية على نيتها في بناء مشروع وطني جامع.

فمؤتمر الحوار الوطني الذي عُقد عقب سقوط النظام السابق جاء مشوّهًا في شكله ومضمونه، إذ نُظّم على عجل، واعتمد بيانًا مُعدًا مسبقًا دون إشراك فعلي للمكونات السورية أو إتاحة مساحة للحوار الحقيقي.

أما الإعلان الدستوري، فقد كرّس منطق الإقصاء بمنح الرئيس المؤقت صلاحيات مطلقة، متجاهلًا التعددية وروح التشاركية، دون أي اعتراف بالمكونات الوطنية السورية.

وجاءت الانتخابات التشريعية لتُعمّق الأزمة أكثر، إذ افتقرت لأبسط معايير الديمقراطية، وتحوّلت إلى عملية تعيين من قبل جهة سياسية واحدة، ما زاد من فقدان الثقة، لا سيما لدى المكون الكُردي الذي رأى في تلك الإجراءات محاولةً لفرض واقع سياسي أحادي لا يعكس التعدد السوري، ويُرسّخ حالة الإقصاء، ويُعيد إنتاج السياسات القديمة التي طالما استهدفت الكُرد.

وما يثير الاستغراب أكثر هو رفع شعارات مثل “من يحرّر يقرّر”، وهذه الممارسات الفعلية تجسّد يومًا بعد يوم نزعة احتكارية تُقصي الآخر وتُضعف فرص بناء عقد وطني جامع.

أمام هذا الواقع، لم يعد الرهان على دمشق مجديًا رغم أهميته، والكُرد اليوم أمام لحظة تاريخية تتطلّب منهم تجاوز الخلافات البينية مهما بلغت حدّتها، والانخراط في مشروع كُردي جامع يقوم على الشراكة والتكامل. فالتحديات الوجودية التي تواجه الشعب الكُردي تفوق بكثير الخلافات الحزبية أو الحسابات الضيقة، وتجربة كُردستان العراق لا تزال ماثلة، حين اتخذت القيادة الكُردية قرارًا شجاعًا بإصدار عفو عام عمن قاتلوا إلى جانب نظام صدام حسين، واضعة مصلحة الشعب فوق كل اعتبار، وهو ما ساهم في ترسيخ الاستقرار وتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية ملموسة.

واليوم، بات من الضروري أن تضع الأطراف الكُردية خلافاتها جانبًا، وتُركّز على بناء المشروع الكُردي في كُردستان سوريا، خاصةً أنّ المفاوضات التي انطلقت عام 2020 برعاية أمريكية شكّلت محطة مهمة في مسار التقارب الكُردي، إذ استندت إلى اتفاقية دهوك لعام 2014 كمرجعية أساسية، ونصّت على الشراكة في الإدارة والتنسيق العسكري وتشكيل مرجعية كُردية عليا تمثّل مختلف الأطراف. وقد شارك في تلك المفاوضات كل من المجلس الوطني الكُردي وحزب الاتحاد الديمقراطي، بحضور ممثلين عن الولايات المتحدة، ورغم أنها لم تُتوّج باتفاق نهائي، إلا أنها أفضت إلى توافقات مهمة قبل أن تتوقّف دون استكمال المسار.

ومن أبرز النقاط التي يجب البناء عليها اليوم، التوافق على تشكيل مرجعية كُردية موحدة ، وإجراء انتخابات ديمقراطية بعد مرور عام على تأسيس الشراكة، بما يمنح المواطنين الحق في اختيار من يمثلهم في إدارة مناطقهم، ويُعزّز الاستقرار والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

ومع سقوط نظام الأسد، أعادت القوى الدولية وعلى رأسها الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، تحريك عجلة الحوار الكُردي، لكن هذه المرة حول نقطتين جوهريتين: بلورة رؤية سياسية موحدة، وتشكيل وفد كُردي مشترك للتفاوض مع الإدارة الانتقالية بشأن المطالب الكُردية. وقد تُوّج هذا المسار بانعقاد الكونفرانس الكُردي في 26 نيسان/أبريل 2025، بدعمٍ واسع من القوى الكُردية في كُردستان سوريا ومساندة من مختلف الأحزاب الكُردستانية. وكان هذا المؤتمر الأهم من نوعه، وأسفر عن توافق تاريخي على رؤية سياسية موحدة وتشكيل وفد مشترك يمثّل مختلف الأطراف، في خطوة تعكس نضجًا سياسيًا واستعدادًا لتحمل المسؤولية التاريخية.

لكن هذا الوفد لم يتمكّن من أداء مهامه حتى اليوم، بسبب رفض الإدارة الجديدة في دمشق استقباله ، وهو ما يعكس استمرار النهج الإقصائي تجاه المكونات السورية وغياب الإرادة السياسية لفتح حوار حقيقي يُفضي إلى بناء دولة مدنية تشاركية.

وبعد أن وصلت القوى الكُردية إلى قناعة بأنّ الوضع الراهن قد يستمرّ لفترةٍ طويلة، بدأت بطرح فكرة استئناف المفاوضات التي توقّفت عام 2020، خاصةً أنّ تطوير الإدارة الذاتية في كُردستان سوريا لا يمكن أن يتمّ من خلال طرف واحد أو عبر نموذج أحادي يفتقر إلى التنوع السياسي. فالتعددية تضمن الرقابة وتُعزّز الشفافية، ما ينعكس إيجابًا على أداء الإدارة وخدمة المواطنين.

فاالمطلوب اليوم هو اتفاق سياسي شامل يُوحّد القوى الكُردية ضمن إدارة مشتركة تقوم على التمثيل العادل وتقاسم المسؤوليات وتكريس مبدأ الشراكة في القرار. فالوحدة الكُردية لم تعد ترفًا سياسيًا، بل غدت صمام أمان لمستقبل المناطق الكُردية وضمانة للاستقرار في وجه التحديات الداخلية والإقليمية والدولية. فالتاريخ لا يرحم المتقاعسين، والفرص لا تنتظر المترددين وآن الأوان لأن يرتقي الجميع إلى مستوى اللحظة، وأن يُبنى المشروع الكُردي على أسس التفاهم لا التنازع وعلى الشراكة لا الإقصاء.

المقال منشور في جريدة يكيتي العدد “337”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى