آراء

الشرق الأوسط الجديد يولد على نار المعركة

إسرائيل وأمريكا تقودان المواجهة مع إيران بدعمٍ خليجي والكُرد ينتظرون موقعهم على الخريطة

المحامي: أكرم شمو

ما يشهده الشرق الأوسط اليوم ليس مجرد جولة تصعيد عابرة، بل هو معركة مفتوحة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران وأذرعها من جهةٍ أخرى. فالقصف المتبادل والاغتيالات والضربات الجوية القوية التي تمتدّ من طهران إلى تل أبيب مرورا ببغداد وبيروت تؤكّد أنّ المواجهة دخلت مرحلة جديدة كلياً. وفي هذه المعركة، تشارك أمريكا بشكلٍ مباشر إلى جانب إسرائيل عبر حاملات طائراتها وقواعدها في الخليج، حيث تقوم واشنطن وتل أبيب بالتخطيط والقصف معاً ، في شراكة عسكرية كاملة الأركان.

هذه المواجهة تضع العرب أمام واقع جديد لم يعتادوه من قبل، فما كان بالأمس تنسيقاً خجولاً تحت الطاولة، أصبح اليوم دعماً خليجياً ملموساً على الأرض، حيث تقدّم دول الخليج غطاءً لوجستياً واستخباراتياً، وتفتح أجواءها، وتنسّق أنظمة دفاعها الجوي مع تل أبيب. التحول دراماتيكي في الموقف من رفض التطبيع إلى اتفاقيات أبراهام، ومن التطبيع الدبلوماسي إلى الدعم العسكري الميداني. واليوم، تحلّق صواريخ إسرائيلية في ألأجواء الخليجية، وتعمل أنظمة دفاعها الجوي بتنسيقٍ دقيق مع تل أبيب، وتُعقد اجتماعات أمنية مشتركة. هذا الدعم لم يعد خافياً، بل هو واقع جديد يعيد تعريف مفهومي “العدو” و”الحليف” في المنطقة.

لكن هل هذه الحرب حرب أيديولوجيا كما يحاول البعض تصويرها؟

الحقيقة أنها صراع مصالح إقليمي ودولي استراتيجي بامتياز. فإسرائيل ترى في إيران تهديداً وجودياً بسبب برنامجها النووي ودعمها (للمقاومة) ووجودها العسكري على حدودها. والولايات المتحدة تريد حماية حليفتها إسرائيل، وتأمين مصالحها النفطية في الخليج، وكسر النفوذ الإيراني المتوسع.

في المقابل، تسعى إيران لفرض نفسها كقوةٍ إقليمية عظمى وكسر العزلة وطرد النفوذ الأمريكي. أما دول الخليج فترى في إيران تهديداً مباشراً لأمنها واستقرارها، وهذا ما يفسّر دعمها للتحالف بقيادة أمريكا وإسرائيل. هذه مصالح متعارضة تماماً، تتصادم في ساحة مفتوحة، والعرب جزء من هذه المعادلة.

واقع الحال أنّ ما يحدث اليوم هو إعادة تشكيل للشرق الأوسط وفق رؤية أمريكية-إسرائيلية. مشروع “الشرق الأوسط الجديد” الذي طُرح قبل عقدين يتحقّق الآن على الأرض: تفكيك النفوذ الإيراني وإعادته إلى حدوده، وترسيخ إسرائيل كقوة إقليمية كبرى ومعترف بها، وإعادة ترتيب التحالفات العربية لتكون في مواجهة إيران بدلاً من إسرائيل، وخلق واقع جديد لا مكان فيه للحياد.

وفي خضم هذه المعركة، يستخدم كل طرف أوراقه. إيران ترفع شعار فلسطين والمقاومة، وتظهر نفسها كمدافعة عن القضية العربية لتكسب تعاطف الشارع العربي وتحرج الحكومات المتعاونة مع إسرائيل. بالمقابل، يكسب التحالف بقيادة أمريكا وإسرائيل دعماً خليجياً متزايداً، في تحول جيوسياسي كبير. هنا تكمن المفارقة الكبرى: إيران تتاجر بفلسطين لمصلحتها، والتحالف الغربي-الإسرائيلي يكسب دعماً عربياً على حساب فلسطين، والعرب يجدون أنفسهم في موقع دائم من التبرير والدفاع عن تحالفاتهم الجديدة.

هذا المشهد المعقد يضع الكُرد في مرمى هذه التحولات الكبرى. فالكُرد، بوصفهم أكبر أمة في الشرق الأوسط لا تملك دولة مستقلة، يجدون أنفسهم أمام مفترق تاريخي. ينتشرون على أربع دول (إيران، العراق، سوريا، تركيا) في جغرافيا استراتيجية تمتدّ من جبال زاغروس في إيران إلى جبال طوروس في تركيا، ومن سهول الجزيرة السورية إلى وادي الرافدين في العراق. هذا الموقع الجيوسياسي الفريد، إلى جانب تعداد سكاني يتجاوز الخمسين مليون نسمة، يجعل منهم عنصراً لا يمكن تجاهله في أي معادلة إقليمية مستقبلية.

صحيح أنّ الكُرد يدفعون ثمناً يومياً من دمائهم في صراعٍ هم بعيدون عن أسبابه المباشرة، لكن هذه المعاناة تحمل في طياتها فرصة تاريخية. فالتحولات الكبرى في المنطقة تخلق فجوات ونوافذ نفوذ يمكن استثمارها. على المستوى الإيراني، قد يضع تعرّض المناطق الكُردية للقصف الإسرائيلي والأمريكي القضية الكُردية في دائرة الضوء الدولية. وعلى المستوى الإقليمي، فإنّ التحالفات الجديدة التي تتشكّل تعيد ترتيب الأولويات، وقد تجد القوى الكبرى نفسها بحاجةٍ إلى حلفاء محليين يتمتعون بالثقل الميداني والمعرفة الجغرافية، والكُرد يمتلكون هذه المقومات بامتياز.

على المستوى السوري والعراقي، يراقب الكُرد المشهد بقلق، لكنهم أيضاً يدركون أنّ خبرتهم القتالية، ومؤسساتهم السياسية، وعلاقاتهم الدولية المتنوعة، تضعهم في موقع مختلف عن المرات السابقة. إقليم كُردستان العراق أثبت قدرته على إدارة ذات مستقرة نسبياً رغم التحديات، والكُرد في سوريا تحت ضوء اهتمام السياسة الدولية منذ فترة ، وكُرد إيران يمتلكون عمقاً نضالياً طويلاً وخبرة في التعامل مع التعقيدات الإيرانية.

صحيح أنّ الاستهدافات الإيرانية المتكررة للمناطق الكُردية في الإقليم تؤلم، لكنها أيضاً تعترف ضمنياً بأنّ الكُرد قوة مؤثرة، فالعدو لا يستهدف من لا يخاف تأثيره. وهنا تكمن المفارقة: الكُرد جزء من الجغرافيا التي يعاد تشكيلها، وهم مرشحون بقوة ليكونوا جزءاً من الطاولة التي ترسم الخرائط الجديدة، شريطة أن يمتلكوا رؤية موحدة وإرادة سياسية قادرة على استثمار التحولات.

من هنا، يبرز التخوف التركي الأكبر من أنّ أي تطور إيجابي لأوضاع الكُرد في إيران أو في سوريا، خاصةً حصولهم على حقوقهم القومية، سيشكّل سابقة تهدّد وحدة الأراضي السورية والإيرانية كما تراها أنقرة، وسيعطي زخماً للمطالب الكُردية داخل تركيا نفسها. فأنقرة ترى في الكُرد السوريين تهديداً استراتيجياً لأمنها القومي، وكذلك الحال بالنسبة للحالة الكُردية في إيران.

وهذا يقودنا إلى المأزق الاستراتيجي التركي، فتركيا هي الطرف الأكثر حيرةً وتناقضاً في هذه المعركة. أنقرة التي تملك ثاني أكبر جيش في الناتو وتتدخّل عسكرياً في سوريا والعراق، تجد نفسها في مأزق حقيقي. فخياراتها كلها مؤلمة: إذا وقفت مع التحالف بقيادة أمريكا وإسرائيل، فهذا يعني انحيازاً ضد إيران، لكنه موقف محرج أمام الرأي العام التركي المحافظ. وإذا وقفت مع إيران، فالأمر أكثر إحراجاً، فكيف لتركيا السنية حليفة الناتو أن تتحالف مع إيران الشيعية ضد مصالحها مع الغرب والخليج؟ أما الحياد فغير ممكن، فالتحالف بقيادة واشنطن لا يقبل به، ودول الخليج تنتظر موقفاً واضحاً.

السيناريو الأكثر إثارةً للقلق بالنسبة لتركيا هو حصول كُرد إيران على مكاسب قومية، مما سيشكّل سابقة  للحركة السياسية الكُردية في تركيا وللكُرد في سوريا. هنا تكمن المفارقة التركية: تركيا التي تستفيد من إضعاف إيران (خصمها الجيوسياسي)، تخشى في الوقت نفسه أن يأتي هذا الإضعاف على حساب تماسك الدولة الإيرانية لصالح الأكراد. أنقرة تريد إيران ضعيفة لكن موحدة، لا إيران مفككة تمنح الأكراد فرصة تاريخية.

وفي مواجهة هذه المعضلة، تتحرّك أنقرة بحذرٌ متزايد. فبينما تبقى الخيارات العسكرية الصارمة ورقة ضغط في الخلفية، إلا أنّ التوجه التركي العملي يتحوّل تدريجياً نحو الالتفاف على المواجهة المباشرة، والتركيز بدلاً من ذلك على دمج المواطنين الكُرد في تركيا عبر العمليات السياسية والدبلوماسية التي تفرضها حقائق الأمر الواقع. إذ تدرك أنقرة أنّ التعامل مع الملف الكُردي الداخلي والخارجي بات يتطلّب حلولاً سياسية أكثر استدامةً، خاصةً في ظل التحولات الإقليمية الكبرى التي قد تمنح الأكراد مكاسب مستقبلية.

هكذا، تفرز المعركة الدائرة ملامح نظام إقليمي جديد: إسرائيل وأمريكا في موقع القيادة، إيران معزولة تحت الحصار، دول الخليج تقدّم دعماً غير مسبوق للتحالف، العراق وسوريا ولبنان ساحات نفوذ مفتوحة، تركيا تبحث عن توازن دقيق في سياستها، والكُرد في موقع المراقب القلق الذي ينتظر ما ستسفر عنه المعارك لكنه يدرك أنّ مقوماته السكانية والجغرافية والتاريخية تمنحه أوراقاً قوية للمراهنة على مستقبل أكثر إشراقاً.

يبقى المستقبل مفتوحاً على كل الاحتمالات. الحرب قد تتسع أو تنحسر، والتحالفات قد تترسّخ أو تتبدّل، لكن الأكيد أنّ المنطقة لن تعود كما كانت. الكُرد اليوم ينتظرون موقعهم على خريطة الشرق الأوسط الجديد، وهم يدفعون ثمناً يومياً من دمائهم، لكنهم في الوقت نفسه يمتلكون من المقومات ما يجعلهم شريكاً محتملاً لا يمكن تجاوزه. هل سيكونون شركاء في رسم هذه الخريطة أم سيبقون خارجها؟

الإجابة تتعلّق بقدرتهم على تحويل معاناتهم إلى حضور سياسي فاعل، واستثمار التحولات الكبرى لصالح قضيتهم العادلة.

في هذه اللعبة الكبرى، الجميع يدفع ثمناً، والجميع يراهن على مستقبل لا يملك أحد ضماناته. لكن الكُرد يمتلكون ما لا يمتلكه غيرهم: قضية عادلة، وشعب صامد، وجغرافيا استراتيجية، وإرث نضالي طويل. هذه العناصر قد تكون مفتاحهم لدخول التاريخ من بابه الواسع، لا من نافذة الآخرين.

١٥  آذار ٢٠٢٦

المقال منشور في جريدة يكيتي العدد “342”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى