
الشرق الأوسط: معارك لم تُحسم بعد!
فرحان مرعي
الحرب هي امتداد للسياسة، ولكن بوسائل عنيفة. فهي تندلع أساساً لتثبيت سياسات معيّنة، لكن لا الحروب توقّفت، ولا حُسمت لصالح مشروع “الشرق الأوسط الجديد”، وبالتالي لم تُثبت السياسات في حدودها النهائية.
منذ بدايات ما سُمّي بـ”ثورات الربيع العربي”، لم تُحسم المعارك في معظم بلدان المنطقة التي انطلقت منها تلك الثورات، رغم سقوط أنظمتها التقليدية، مثل ليبيا، اليمن، العراق، السودان، سوريا، لبنان، والمناطق الفلسطينية. ولم تستتب الأوضاع إلا جزئياً في تونس ومصر.
إذا بدأنا من أحداث 7 أكتوبر 2023، أو ما سُمّي بـ”طوفان الأقصى”، بين حركة حماس وإسرائيل، والردّ الإسرائيلي العنيف على قطاع غزة، فإنّ المعارك هناك لم تُحسم بعد، رغم أنّ الآلة العسكرية الإسرائيلية سوّت معظم القطاع بالأرض، وقتلت آلاف المدنيين والقادة العسكريين. ومع ذلك، لم تستطع إسرائيل حتى الآن حسم المعركة وفرض شروطها، بل انجرّت إلى حرب استنزاف قد تطول.
وفي جنوب لبنان، تعرّض حزب الله لضربات موجعة جداً على مستوى الهرم القيادي والبنية العسكرية، إلا أنه لم يُلقِ سلاحه، وما زال يشكّل تهديداً لإسرائيل.
سقط حكم آل الأسد في سوريا بعد عقود من الاستبداد والقمع، وتراجع دور كل من إيران وروسيا فيها، لكن النيران لا تزال مشتعلة، وسوريا، أرضاً وشعباً، تسير فوق صفيحٍ ساخن. والأوضاع والمستجدات الحالية تنذر بحرب أهلية جديدة، بسبب سوء تعامل سلطة دمشق مع الملفات الحساسة وخاصةً ملف القوميات والاقليات والطوائف، مما يدفع إلى تدخل دولي وإقليمي أكبر، ويفتح أيضاً الطريق أمام هذه المكونات للمطالبة بقوة أكثر بدولة لامركزية فيدرالية كحل أمثل للحفاظ على وحدة سوريا.
إنّ أحداث الساحل السوري والانتهاكات ضد الطائفة العلوية، وأخيراً أحداث السويداء المؤسفة مع المكون الدرزي، والتي شكّلت صدمةً كبيرة للسوريين والعالم ؛ بسبب الفظائع والإهانات الشخصية للرموز المجتمعية والوطنية، والتي ارتكبت من قبل الهمج والرعاع وما سمي بالبدو وتحالف العشائر السورية ضد هذا المكون المسالم، الصغير، أعاد إلى الأذهان غزوات القبائل العربية القديمة ،مما خلق استياء محلي سوري، وعالمي والتدخل لوقف هذه المهزلة الإنسانية وخاصةً من قبل أمريكا ، كما وضع هذه الأحداث سوريا أمام مفترق الطرق، أما الذهاب إلى حرب أهلية تحرق الأخضر واليابس أو إلى التوافق والاقتناع بأنّ سوريا لن تستقرّ، ولن تتوحّد دون نظام حكم لامركزي، يضمن حقوق كافة المكونات، ومن أجل توزيع عادل للسلطة والثروة في عموم سوريا.
وبين هذه وذاك ، وتحديداً في الثالث عشر من حزيران الفائت ، تعرّضت إيران لضربات جوية إسرائيلية استهدفت مفاعلاتها النووية، وقواعد الصواريخ الباليستية، ومراكز القيادة العسكرية والعلمية. وتفاءلت شعوب المنطقة بقرب سقوط النظام الإيراني الديني الذي عاث فساداً واستبداداً في الإقليم. إلا أنّ الحرب توقّفت فجأةً بعد اثني عشر يوماً، دون تحقيق أهدافها. ولا يزال الغموض يكتنف نتائجها، في ظلّ تضارب بين التصريحات الأمريكية والإسرائيلية من جهة، والتصريحات الإيرانية التي تزعم أنّ الحرب فشلت في تحقيق أهدافها!
المشهد الحالي في المنطقة يوحي بأنها لا تزال في حالة غليان. فالحروب لم تتوقف، والسياسات لم تُثبّت، والناس يبحثون بين السطور: ماذا يُطبخ للمنطقة من سيناريوهات؟ الأسئلة كثيرة: ماذا يُرسم للمنطقة من خرائط؟ هل هناك حدود جغرافية جديدة؟ كيانات وتحالفات جديدة؟ هل نشهد انهيار دول؟
كلّ ذلك لا يزال مرهوناً بإرادة القوى الكبرى مثل أمريكا، بريطانيا، روسيا، ومعهم إسرائيل التي تقود المرحلة كرأس حربة.
ومع ذلك، برزت البوادر لمرحلة جديدة، تتمثّل في تقزيم أو إنهاء الدور الإيراني في المنطقة، وتمرير مشاريع التطبيع العربي مع إسرائيل، وتشكيل سدّ أمام التوغل الاقتصادي الصيني، وإلهاء الروس في حرب أوكرانيا التي دخلت عامها الثالث.
كما شهدنا تحوّلاً كبيراً مع إعلان مشروع السلام بين حزب العمال الكُردستاني وتركيا، حيث تبدّد الضباب من فوق جبال قنديل، في نقطة انعطاف أنهت عقوداً من الحرب بين الطرفين، والتي ألقت بظلالها الثقيلة على كامل المنطقة: من إيران إلى سوريا، فالعراق وتركيا، وبينها كُردستان الضحية.
في النتيجة: إنّ خارطة “الشرق الأوسط الجديد” لم تتّضح بعد، أو ربما “الطبخة لم تنضج بعد”، والأيام أو الشهور القادمة كفيلة بتوضيح ما يرسم للمنطقة!
المقال منشور في جريدة يكيتي العدد “334”






