الشعوب بين الاختيار والاختبار

عبدالله جعفر كوفلي /ماجستير قانون دولي

انطلاقاً من المبدأ الذي قد ولّى عليه الزمن :بأنّ الشعب مصدر السلطات ، هذا المبدأ وإن كان حقيقةً واقعةً، بحيث كانت الحكومات والأنظمة تخاف وتتوقّع كلّ الاحتمالات الواردة من ردّة فعل الجماهير ؛ عندما كانت تقرّر في موضوع عامٍ وحيوي، لأنّ الجماهير هي مَن أوصلهم إلى سدّات الحكم ، ولا يجب عليهم الخروج مما تمّ الاتفاق بينهم، وإن كان بشكلٍ ضمني.

الحياة بكلّ ما فيها تخضع لقانون التغيير بفعل المؤثّرات العديدة سواءً ما كان متعلّقاً بالزمن أو المكان أو حتى الإنسان نفسه، هذا التغيير يدفع بالإنسان إلى قبوله والتكيّف معه، بل كانت ولا تزال العديد من التغييرات من فعله ونتيجة تفكيره.

المبدأ المُشار اليه خضع للتغيير ،فبعد أن كان الشعب مصدر السلطات والقوة الكامنة والدافعة للسلطات، تحوّل إلى كأسٍ للتجارب وإجراء الاختبارات المتنوّعة عليه للحصول على نتائج، فالأنظمة الحاكمة بمختلف توجّهاتها وألوانها تحاول دراسة حالة الشعب ومدى قبوله لمشاريعه وقراراته ،وماذا سيكون موقفه وردة فعله ؟ وكيف تتمّ معالجته ؟

كلّ ما يجرى من أحداثٍ وازماتٍ تستفيد منها حكومات الدول لمعرفة درجة قبول الشعب وقوة ردّه، بل باتت الشعوب حقلاً للتجارب، وتستطيع الحكومات أن تفعل بها ما تشاء ،فكم من جميلٍ صوّرته الحكومات لشعوبها أنه القبيح ، والعكس صحيح أيضاً، وكم من مهمٍٍ جعلته تافهاً غير مفيد، وكم من غثاءٍ كغناء السيل نقله عبر قنواته بأنه العصا السحرية في قوتها لتغيير الواقع إلى الأفضل ، بل أنه ضروري لإدامة الحياة وهكذا.

هذا ما معناه أنّ الشعوب بشرقيّها وغربيّها مع الاختلاف في النسبة باتت كأساً شفّافةً، ولكنها تتلّون باللون الذي ترغب حكومات هذه الشعوب أن تظهر به، وفق ما يُصبّ فِيهِ. من أجل معرفة قوة ردّة فعل أبناء الشعب غالباً ما تلجأ الحكومات إلى إجراء الاختبارات اللازمة ،وتُجري دراسات متخصّصة للوصول إلى مبتغاها، سواءً كان هذا الاختبار في أي جانبٍ من جوانب الحياة، صحيح أنّ الجميع يرى ويسمع ما تجري من أحداث ولكن القلة منهم مَن يعرف الأسباب الكامنة من وراء هذه الأحداث ومَن هو المستفيد أو المتضرّر؟ أسلوب اختبار الشعوب كان ولا يزال معمولاً به ،ولكي لا نذهب بعيداَ ففي بدايات القرن المنصرم عمدت سلطات إحدى المدن الألمانية إلى فتح أبواب مكان حجز الأسُود في حديقة الحيوانات، أثناء زيارة المواطنين لهذه الحديقة لمعرفة مدى استعدادهم للدفاع عن أنفسهم وعلى الرغم من ارتفاع صراخ الأطفال والنساء وهروبهم إلّا أنّ الملفت للنظر هو توجّه الرجال إلى أسلحتهم للدفاع عن أنفسهم وعوائلهم. فاستنتجت السلطات أنّ الشعب مستعدٌ للقتال في سبيل وطنه ،ولا تزال الروح الوطنية جارية في عروقهم، وأنّ قرار الدخول إلى حرب ما سيكون مقبولاً، كما أنه في العراق وفي سبعينيات القرن الماضي انتشر اسم أبو طبر كرجلٍ قاتل وناهبٍ شرس، وكانت تأويلات الناس حوله متعدّدة ولكنّ الأقوى من بينها أنها كانت فترة اختبار إرادة الشعب ومدى استعداده للدفاع عن نفسه وماله ووطنه، وفي عصرنا الحالي ما أكثر هذه الأحداث التى ترتأي من ورائها السلطات القائمة إلى معرفة ميول الشعب وتوجّهاتهم!

وقد يكون بدايةً لرسم طريقٍ ما والتوجّه إليه أو إصدار قرارٍ ما.

نلخّص إلى القول بأنّ الشعوب هي مَن تختار مَن يقودها وما أن يصلوا إليه فيبدأون باختبارهم، فبات الشعب كأساً تظهر بلون ما يُسكب فيها من قِبل حكوماتها.

تمت قراءتها 153 مرة

قد يعجبك ايضا