
الشـراكة الوطنية في سـوريا… القضية الكـردية نموذجا
فيصل يوسف
تعرَّضت سوريا خلال العقود الماضية، في ظل حكم حزب البعث، لظروف سياسية اتسمت بالاستبداد والانغلاق، وملاحقة المعارضة السياسية، ومنع تشكيل منظمات المجتمع المدني، وتهميش العديد من مكوناتها القومية والدينية، وفي مقدمتها الشعب الكردي، الذي يُعد مكونا أصيلا من النسيج الوطني السوري، وساهم في بنائها وتاريخها وثقافتها. بعد سقوط النظام السابق ودخول البلاد مرحلة انتقالية دقيقة، أصبح من الضروري والواجب، إعادة النظر في مجمل العلاقة بين الدولة ومكوناتها، بما يؤسس لعقد اجتماعي جديد عادل وشامل.
لم تكن القضية الكردية في سوريا نتاج لحظة ظرفية أو أزمة طارئة، بل تعود جذورها إلى مرحلة تأسيس الدولة السورية، في بدايات القرن العشرين، حين تم تجاهل الواقع القومي والتعددي للبلاد، في صياغة الهوية الوطنية والدستور. وقد أدى هذا الإغفال التاريخي إلى حرمان أبناء الشعب الكردي من حقوقهم القومية المشروعة، حتى من أبسط حقوق المواطنة.
تفاقمت هذه السياسات لاحقا مع وصول حزب البعث إلى السلطة، حيث تم تبني إجراءات ممنهجة طالت الوجود الكردي في شتى أبعاده. كان أبرز هذه الإجراءات الإحصاء الاستثنائي لعام 1962 الذي جُرّد بموجبه مئات الآلاف من المواطنين الكرد من جنسيتهم السورية، بالإضافة إلى ذلك، استهدف مشروع الحزام العربي تغيير البنية الديموغرافية للمناطق ذات الغالبية الكردية، على طول الحدود مع تركيا في محافظة الحسكة.
وعلى مدار عقود، غُيِّب المكون الكردي عن تبوأ مناصب ومراكز في مؤسسات الدولة، ووُضعت قيود على نشاطه الثقافي والسياسي، دون أي مسوّغ قانوني أو وطني، لكن رغم هذه السياسات الظالمة، لم ينكفئ الكرد عن ساحة النضال الوطني، بل شكّلوا، عبر أحزابهم وفعالياتهم الاجتماعية، صوتا ثابتا يطالب بالعدالة والمساواة، والاعتراف بحقوقهم القومية، ضمن سوريا ديمقراطية تعددية، تضمن الحقوق والحريات لجميع أبنائها. وقد تجلى هذا الإصرار في مراحل متعددة، كان أبرزها انتفاضة قامشلو في مارس 2004 التي خرج فيها الكرد بمظاهرات سلمية واسعة، رفعوا خلالها شعارات تربط بين مطالبهم القومية وضرورة إصلاح بنية الدولة القائمة على الاستبداد والإقصاء، لكن القوى الوطنية المعارضة لم تتفاعل معها كحالة سورية معارضة بل من منظور قومي بضيق أفق.
جاءت الثورة السورية في عام 2011 لتشكل منعطفا جديدا، انخرط فيه الكرد منذ بداياته. وشاركوا في الحراك الشعبي الشبابي في مختلف المدن والمناطق، وأكدوا مرة أخرى تمسكهم بمطالبهم في إطار وطني جامع، دون أن يسعوا لأي شكل من أشكال الانفصال، أو التمايز عن باقي مكونات الشعب السوري. وكان موقف حركتهم السياسية واضحا، برفض أي تسوية مع النظام السابق، على الرغم من محاولاته العديدة، وتقديمه لعروض بالاستجابة لبعض المطالب الكردية، بل اختارت موقعها الطبيعي والانخراط في صفوف قوى المعارضة والثورة، والمساهمة الفاعلة في التغيير.
وقد عبّر الكرد سياسيا عن هذا الموقف، عبر مشاركتهم في مؤتمرات المعارضة، وانضمامهم لتشكيلاتها المختلفة، بدءا من هيئة التنسيق الوطنية للتغيير الديمقراطي، والمجلس الوطني السوري، وصولا إلى الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، وهيئة التفاوض. وقد تم ذلك على الأغلب من خلال المجلس الوطني الكردي، الذي مثّلَ الحامل السياسي الأوسع لمطالب الشعب الكردي ضمن العمل الوطني السوري العام.
واليوم، مع انتهاء مرحلة النظام السابق، وانبثاق إدارة جديدة تتولى شؤون البلاد، تأمل شرائح واسعة من السوريين، أن يكون ذلك مدخلا لبناء سوريا الجديدة على أسس دستورية ومؤسساتية، تكرس مبدأ المواطنة المتساوية والاعتراف بالتعدد السياسي والقومي والديني. ما جاء في هذه الأسطر سبق وأن تحدثنا وكتبنا فيه مرارا، إلا أننا نلمس أن صداه لم يحقق الفهم المرجو، وكأن هناك تعمدا بعدم الفهم من أوساط عديدة. ما يستوجب منا تكرار هذه المعاني لتعزيز وترسيخ الوضوح في العلاقات الوطنية، ونبذ التهم الجاهزة، وتجاوز ما كرسه حزب البعث من ترسيخ أفكار تقسيمية بين أبناء الشعب السوري.
غير أن ما يثير القلق هو أن الحكومة السورية الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع، لم تبادر حتى الآن إلى فتح حوار جاد وشامل مع ممثلي الشعب الكردي، رغم كونه يمثل القومية الثانية في البلاد من حيث عدد السكان، ويشكل جزءا أصيلا من نسيجها الوطني. ففي مؤتمرات الحوار الوطني التي عُقدت، وكذلك في النقاشات المتعلقة بالإعلان الدستوري، والحكومة المؤقتة، حتى ما يتم التحضير له بتشكيل «مجلس الشعب»، لم يُمنح الكرد مساحة للمشاركة الفعلية، وفق آليات وصيغ تمكنهم من ذلك ، ولم يُعطوا حقهم الطبيعي في التعبير عن رؤيتهم لمستقبل البلاد عبر حوار رسمي، وهذا يشكل ثغرة كبيرة في مسار الانتقال السياسي، ويُعيد إلى الأذهان ممارسات التهميش التي عانى منها هذا المكون لعقود.
لكن في المقابل، فإن الحركة السياسية الكردية لم تقف موقف الانتظار، بل بادرت إلى بلورة موقف موحد ورؤية واضحة، تعبّر عن تطلعات الشعب الكردي وتحرص على أن تبقى ضمن الإطار الوطني السوري. ففي 26 أبريل 2025 عُقد كونفرانس سياسي جامع للحركة الكردية السورية، شارك فيه معظم القوى الفاعلة، وتمخض عنه وثيقة سياسية جامعة تحدد شكل الدولة المستقبلية وهوية النظام السياسي المطلوب. وقد أكدت الوثيقة الكردية المشتركة على عدة مبادئ أساسية:
* إن الشعب الكردي جزء لا يتجزأ من الشعب السوري.
* إن سوريا الجديدة يجب أن تقوم على قاعدة الشراكة الحقيقية بين جميع مكوناتها القومية والدينية.
* اللامركزية هي المدخل لضمان التوازن والعدالة في مختلف أنحاء البلاد.
* الاعتراف الدستوري الصريح بوجود الشعب الكردي وحقوقه القومية هو حجر الزاوية في أي عقد وطني جديد.
كما دعت الوثيقة إلى إلغاء كل السياسات التمييزية، التي طُبقت بحق الكرد، وفي مقدمتها مشروع الحزام العربي والإحصاء الاستثنائي وغيرها. وأكدت على ضرورة تعويض المتضررين، وإعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل تنفيذ تلك الإجراءات.
إن الكرد، في مواقفهم وخطابهم السياسي، شددوا دوما على خيار تمتين وتعزيز الوحدة الوطنية القائمة على العدالة والشراكة، ولذلك، فإن تجاهلهم أو التعامل معهم كقضية ثانوية لا يخدم مشروع بناء الدولة الجديدة. بل يعيد إنتاج الخلل نفسه الذي أسقطته الثورة، ويضعف شرعية أي مسار انتقالي. إن المسؤولية اليوم تقع على عاتق الإدارة الجديدة في أن تمد يد الحوار الصادق والشامل إلى جميع مكونات المجتمع السوري، وفي المقدمة منهم الكرد، من خلال الوفد الكردي المشترك المنبثق عن كونفرانس وحدة الصف الكردي وهو الوحيد المخول للتحدث باسمهم ويمثلهم، وانطلاقا من الإيمان بأنه لا مستقبل لسوريا دون جميع أبنائها، ولا يمكن أن تقوم دولة عادلة ما لم تعترف بتنوعها، وتكفل المساواة التامة بين مواطنيها في الحقوق والواجبات، دون تمييز أو تهميش.
إن توظيف التحالفات والتطورات المتغيرة في البلاد والمنطقة، يتطلب تقديم ضمانات دستورية للكرد، وتجنب الاحتواء الناعم عبر مفاوضات جزئية هنا وهناك، بل ضرورة وأهمية طرح تصور استراتيجي لحل القضية الكردية في سوريا ضمن الإطار الوطني العام، وهذا من شأنه تدعيم ركائز الاستقرار. ويقع على القوى الوطنية السورية، بكل أطيافها، إدراك أن بناء دولة حديثة يبدأ من حل عادل لهذه القضية، ويشمل ضمان التمثيل السياسي والإداري العادل.
إن إصرار الكرد على شراكة فاعلة في الوطن، ينبع من إحساسهم العميق بالمسؤولية الوطنية، وإيمانهم الراسخ بأن نهضة سوريا من كبوتها لن تتحقق إلا بمصالحة وطنية شاملة، لا تستثني أحدا، وتبني الوطن على أسس من المساواة والعدل للجميع .
القدس العربي






