الشيخ عبد السلام البارزاني – 1874/1914 – في ذكرى استشهاده

محمد زكي أوسي

اشتهرت قرية بارزان التي لم يتجاوز عدد البيوت فيها في القرن (19) خمسين داراً في عالم السياسية إثر الانتفاضات والحركات الوطنية المتعددة فيها, إلى جانب وجود أسرة شيوخ بارزان التي تميزت بروح الاستقلال منذ ظهورها, والذي تمثل بعدم تحبيذها التودد للسلطات الحاكمة ورفض عطاياها وامتناعها عن تملك واستملاك الأراضي, كما كان معروفاً بين الأسر الكبيرة وصاحبة الوجاهة الاجتماعية, هذه الصفات عززت نفوذ هذه الأسرة الكريمة سياسياً واجتماعياً منذ عام 1825م. على يد الشيخ عبد الله البارزاني الملقب بـ (تاج الدين) وازداد أكثر في عصر ابنه الشيخ عبد السلام الأول ومن ثم حفيده الشيخ محمد والد الشيخ عبد السلام الثاني والملا مصطفى البارزاني، ففي عهد الشيخ محمد تمتعت المنطقة بنوع من الاستقلال وسكانها يأتمرون بأوامره دون الدولة العثمانية.

الشيخ عبد السلام البارزاني (الثاني): هو عبد السلام الثاني بن محمد بن عبد السلام الأول بن عبد الله بن حاجي بن محمد بن عبد الرحمن بن ملا تاج الدين وينتهي نسبه الكريم إلى العلامة الملا عبد الرحيم أستاذ ابن حجر العسقلاني المتوفي سنة 1449م. وهو الأخ الأكبر لأربع أخوة (أحمد – محمد صديق – بابو – الملا مصطفى) رحمهم الله, وقد تولى الشيخ عبد السلام الثاني زعامة الأسرة البارزانية من والده الشيخ محمد عام 1903م. وكان يتمتع بنفوذ كبير في المنطقة الكُردية, وبرز كزعيم ديني وسياسي وطني بسرعة فائقة, وهب الجميع لإعلان الولاء والتأييد للشيخ الجليل خصوصاً بعد الإصلاحات الجذرية التي قام بها والتي تدل على سعة أفقه وهي:

1- إلغاء الملكية 2- توزيع الأراضي على الفلاحين 3- إلغاء المهر والزواج القسري 4- تنظيم العلاقات الاجتماعية على أساس العدل والمساواة 5- بناء مسجد في كل قرية لأداء الفرائض والاستفادة منها للاجتماع والتشاور وحل المشكلات 6- بناء المدارس ودور العبادة لمعتنقي الديانات الأخرى 7- تشكيل لجنة في كل قرية تشرف على شؤون القرية من النواحي كافة 8- تنظيم المسلحين وتعيين مسؤولين لهم, وقام أحمد آغا البيرسياقي خال الشيخ بدور كبير في تدعيم وحماية هذه الإصلاحات, وهكذا يمكننا القول: إن التاريخ النضالي يعود إلى عهد الشيخ عبد السلام البارزاني.

الشيخ عبدالسلام البارزاني (الثاني) ونضاله:

كان الشيخ يرى أن الجهل من أهم عوامل التخلف في كل المجالات لذا أولى اهتماماً فائقاً ببناء المدارس وفتحها, وكان على اطلاعٍ واسع بأنشطة الجمعيات الكُردية في الخارج ومن المؤيدين لها مثل: (جمعية تعالي وترقي الكُرد – جمعية استقلال الكُرد) وكونَ علاقات حميمة مع الزعماء الكُرد وقتذاك (الشيخ محمود الحفيد – الشيخ عبد القادر النهري – وإسماعيل آغا الشكاكي), وفي عام 1970م. قام الشيخ عبد السلام وصحبه بجولة في منطقة بهدينان, وعقدوا في دار الشيخ محمد البريكاني اجتماعاً وتقرر بالإجماع اختيار الشيخ عبد السلام رئيساً للرابطة الكُردية ورفعوا مذكرة إلى الحكومة العثمانية وبعثوا نسخاً منها إلى الفريق شريف باشا ممثل الكُرد في عصبة الأمم وأمين عالي بدرخان وجاء في المذكرة ما يلي:

1- أن اللغة الكُردية لغة رسمية في منطقة بهدينان 2- جعل التعليم باللغة الكُردية في المدارس 3- تعيين الموظفين الكبار من الكُرد حتى يتفاهموا مباشرة مع السكان المحليين 4- تجري الأحكام وفق الشريعة الإسلامية 5- أن يجري القضاء على المذهب الشافعي في المنطقة 6- جباية الضرائب من السكان حسب الشريعة الإسلامية 7- تبقى ضريبة بدل الخدمة العسكرية كما هي على أن تخصص لإصلاح الطرق في منطقة بهدينان.

ووسع الشيخ دائرة علاقاته مع الخارج وكانت الغاية من ذلك خدمة الأمة الكُردية ووطنها كُردستان, فذهب إلى أورمية بمساعدة (اسماعيل آغا الشكاكي) للالتقاء بالروس الذين نصحوه بالسفر إلى (تفليس) عاصمة جورجيا وهناك اجتمع بالروس الذين خاب أمله فيهم نظراً لمصالحهم مع العثمانيين وحرصهم على عدم إغضابهم فعاد إلى الوطن وحاول الاتصال مع ملكة بريطانيا والاجتماع بها لعرض القضية الكُردية عليها، ولكن دون جدوى كل هذه التحركات أثارت الريبة لدى العثمانيين الذين لم يكتفوا بعدم الإجابة على مذكرته الإصلاحية بل اعتبرتها خطيرة وترمي إلى الانفصال وقام والي الموصل (محمد فاضل الداغستاني) بإرسال قوات عسكرية إلى بارزان ودمرت الكثير من القرى الكُردية وهدمت التكية البارزانية النقشبندية, وعندها طالب الشيخ بالمفاوضات ، ولكن الوالي رفض التفاوض, مما اضطر الشيخ إلى الهجوم وألحق خسائر فادحة بالغزاة محققاً انتصاراً باهراً, وقد تخلل هذا مدة قصيرة من العلاقة مع حكومة حزب الحرية والائتلاف التركية التي جاءت إثر سقوط الاتحاد والترقي التركية في الانتخابات, ولكن ما إن استلمت الجمعية هذه السلطة ثانية حتى أعدت الحكومة العثمانية جيشاً استطاع شلّ الحركة والمقاومة, ولجأ الشيخ إلى منطقة حمكاري, واعتقلت السلطات التركية عدداً من أنصاره ونفت أسرته إلى الموصل ومن بينها أخ الشيخ (الملا مصطفى) وهو طفل صغير بعد.

وأما الشيخ فبعد أن ودعه (إسماعيل آغا الشكاك) في (سلماس) مرّ بقرية (كَه نكَه جين) فراح المدعو صوفي عبد الله صاحب القرية يتوسل إليه للنزول في قريته, فنزل في ضيافته, وأثناء النوم اعتقل صوفي عبد الله الشيخ وحراسه الثلاثة وسلمهم إلى الأتراك في (سيرو), وتقاضى جائزة الخيانة, ونقل الشيخ إلى الموصل حيث أعدِم بعد محكمة صورية من قبل والي الموصل (سليمان نظيف بن الدياربكري) وهو سليل أسرة كُردية يوم 14/كانون الأول -1914م. قبل وصول الفرمان السلطاني.

وباستشهاده فقد الكُرد زعيماً لو بقي على قيد الحياة إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى لكان وضع الكُرد غير ما هو عليه الآن.

المقالة منشورة في جريدة يكيتي العدد 281

تمت قراءتها 273 مرة

قد يعجبك ايضا