
الصراع التركي/الإسرائيلي على سوريا
فؤاد عليكو
من المعروف أنّ تركيا كانت الدولة الإسلامية الأولى التي اعترفت بإسرائيل عام 1949، ثم تطورت العلاقات بين الطرفين بشكلٍ مضطرد في مختلف المجالات، وخاصةً في المجالين العسكري والاقتصادي. وبلغت ذروتها بتوقيع اتفاقية التعاون العسكري بين الطرفين عام 1996، وكان من نتائجها مساهمة إسرائيل الاستخباراتية في اعتقال زعيم حزب العمال الكُردستاني عبد الله أوجلان في نيروبي في شباط/فبراير 1999، وكذلك تقديم الدعم التقني العسكري لتركيا في مجالات عدة لتطوير الأسلحة التركية.
وفي عام 2000 وقّع الطرفان اتفاقية التجارة الحرة بينهما، وساهمت هذه الاتفاقية في تطوير العلاقات بشكل ملحوظ، واستمرّ هذا الوضع حتى مجيء حزب العدالة والتنمية ذي التوجّه الإسلامي عام 2002 بزعامة الرئيس التركي الحالي رجب طيب أردوغان، الذي حاول إيجاد نوع من التوازن في علاقاته بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية. ومع ظهور حماس كقوة إسلامية صاعدة في فلسطين وسيطرتها على قطاع غزة، بدأت العلاقات بين النظام التركي وسلطة حماس تتطور أكثر مقارنةً بالسلطة الفلسطينية، وارتفعت وتيرة الدعم التركي للحقوق الفلسطينية. وبلغت هذه المواقف ذروتها في مؤتمر دافوس 2009 حيث جرت مشادة كلامية بين أردوغان والرئيس الإسرائيلي حينذاك شمعون بيريز حول غزة، مما دفع أردوغان إلى الانسحاب من المؤتمر.
ثم أعقبتها حادثة سفينة “مرمرة” عام 2010 التي قُتل فيها تسعة مواطنين أتراك، وأدّت إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بين الطرفين وإلى انخفاض كبير في مستوى التبادل التجاري والعسكري. لكنّ العلاقات عادت إلى وضعها الطبيعي بعد التسوية بين الطرفين ودفع التعويضات لذوي الضحايا، وبلغ حجم التبادل التجاري بينهما 9.5 مليار دولار في عام 2022 منها 7 مليارات من الجانب التركي.
غير أنّ المشهد السياسي تغيّّر بشكلٍ كبير بعد عملية حماس (طوفان الأقصى) في أكتوبر/تشرين الأول 2023 وإعلان إسرائيل صراحة أنها ستخوض حرب وجود، وأنها بصدد تغيير الخارطة السياسية في الشرق الأوسط، وأعلنت الحرب على ما يُسمّى بـ”محور المقاومة”. فكان دمار قطاع غزة ولا يزال مستمرًا، ثم الحرب على حزب الله حتى أُنهِك وأُجبِر على القبول بتطبيق اتفاقية الانسحاب من الجنوب اللبناني وفق القرار الدولي 1701، مع تهديد النظامين السوري والإيراني في حال التدخل إلى جانب حزب الله و، اللذان لاذا بالصمت خوفًا من الاندفاع الإسرائيلي غير المسبوق.
في المقابل، وقفت تركيا تراقب الأحداث بتوجّس وخشية من تطور الأوضاع في الشرق الأوسط، وأخذت تهديدات نتنياهو على محمل الجد، ما دفعها إلى إعادة النظر في مجمل سياساتها الداخلية والخارجية.
وعلى الرغم من الارتياح التركي لتقليل النفوذ الإيراني في سوريا ولبنان، إلا أنها كانت تشعر بأنّ نيران التغيير ستطالها أيضًا، خاصةً وأنّ خاصرتها رخوة بشأن القضية الكُردية. لذلك قامت بمراجعة سياساتها، ومنها الانفتاح على الكُرد في الداخل بشكلٍ عام، وإعادة تفعيل الحوار مع أوجلان من خلال مبادرة رئيس الحركة القومية دولت بهتشلي، وقد تجاوب أوجلان مع المبادرة إيجابيًا وأفضت إلى اتخاذ قرارات بحل حزب العمال الكُردستاني. لكنّ التفاهمات تعثّرت بسبب الطلب التركي شمول التفاهم القوى الموالية لـ PKK في سوريا، وهو ما رفضه PYD معللاً أنّ التفاهم الحاصل هو بين تركيا وPKK فقط. وبذلك عادت لغة التهديدات بالحل العسكري من جديد بين فترة وأخرى.
كما حاولت تركيا إعادة النظر في علاقاتها المتدهورة مع بشار الأسد بسبب وقوفها إلى جانب قوى المعارضة ودخولها العسكري إلى الأراضي السورية، يقينًا منها بأنّ دور سوريا في التصادم قادم بعد لبنان لا محالة. لكن النظام لم يُدرك حجم المخاطر القادمة مقتنعًا بالدعم العربي الجديد والروسي والإيراني المستمر، لذلك رفض كل دعوات تركيا للتقارب.
وهكذا حصل ما لم يكن يتوقّعه النظام السوري وهو اجتياح “هيئة تحرير الشام” لحلب دون مقاومة تُذكر، ومن ثم سقوط دمشق الدراماتيكي بعد أسبوع من سقوط حلب دون مؤازرة من حلفائه الروس والإيرانيين، ثم رحلة الهروب إلى موسكو وسيطرة “هتش” المقربة من تركيا على العاصمة دمشق. ثم جاءت مرحلة المواجهة الحقيقية بين تركيا وإسرائيل، حيث قامت إسرائيل بتدمير كل المقدرات العسكرية المتبقية في سوريا في غضون ثلاثة أيام متتالية وتجاوز خط الهدنة القائم بين الطرفين منذ 1974 واحتلال مواقع عسكرية مهمة في محاولة للسيطرة العسكرية على كامل الجنوب السوري واعتباره منطقة نفوذ إسرائيلية بامتياز.
في المقابل، عملت تركيا على تعزيز قدراتها العسكرية في معظم الجغرافيا السورية، خاصة في الشمال والوسط، لكنّ إذسرائيل رفضت أي تقرّب تركي من الوسط ودمّرت بعض نواة القواعد المزمع إقامتها في الساحل وحمص وحماة، ما صعّد الخلاف بين الطرفين في الآونة الأخيرة، وظهر ذلك في التصريحات النارية الصادرة من أعلى هرم السلطتين.
قال أردوغان مهددًا: “إذا خرج السيف من غمده حينها تتوقف لغة القلم والكلمة”، فردّ عليه نتنياهو: “لا أحد آمنًا بعد الآن والدور على تركيا”، وردّ عليه مستشار الرئيس التركي: “قريبًا سينام العالم بسلام بزوالكم عن الخارطة”. وهكذا تصاعدت لغة الحرب بين الطرفين وبلغت الذروة ثم عزّزت تركيا وجودها العسكري في قبرص التركية بإرسال 100 ألف جندي هناك، وفي المقابل تشكّّل مؤخرًا تحالف عسكري إسرائيلي/يوناني/فرنسي على قاعدة جزيرة كريت اليونانية وأضحى الإصبع على الزناد جاهزًا.
لكنّ أمريكا لا تزال تضغط بقوة على الطرفين لوقف التصعيد، والعودة إلى صيغة تفاهم بينهما حول سوريا. وقد يفضي هذا التفاهم – إذا ما حصل – إلى تقسيم مناطق النفوذ في سوريا بحيث يكون الجنوب السوري خاضعًا للنفوذ الإسرائيلي والشمال السوري خاضعًا للنفوذ التركي، مع حيادية منطقة الوسط والساحل. ودون ذلك فالتصادم حتمي، ولن تقبل إسرائيل تحت أي ظرف تبديل النفوذ الإيراني في سوريا بالنفوذ التركي، فيما ترى تركيا أنّ من حقها تأمين عمقها الاستراتيجي الجنوبي في سوريا.
وعليه نستطيع القول إنّ الأيام والشهور القادمة حبلى بتطورات كبيرة في سوريا قد لا يتوقّعها أحد.
المقال منشور في جريدة يكيتي العدد “336”






