آراء

الصراع على كردستان الغربية (8): مأزق الحركة الأوجلانية

عدنان بدرالدين
تقدم قوات – داعش – في ريف كوباني ، وإنسحاب الميليشيات الأوجلانية منها ، وماصاحب ذلك من عمليات قتل وحشية للمدنيين الكرد على يد قطعان ما بات يسمى ب”الدولة الإسلامية”، تمثل قمة جبل الجليد في الأزمة المتفاقمة التي تعيشها كردستان الغربية تحت وطأة سلطة الأمر الواقع المتحالفة مع نظام الإستبداد الأسدي وإحدى نتائجها الطبيعية. ويبدو أن النظام بعد أخذه زمام المبادرة في مجابهته لقوى المعارضة السورية المشتتة والمفتقدة تقريبا لأي دعم عسكري أو مالي في جبهات عديدة…
يبدو أنه بات يتجه إلى الإستغناء تدريجيا عن خدمات الحركة الأوجلانية، على الأقل في بعض المناطق التي لاتعد ذات أهمية إستراتيجية من منظور مصالحه الحيوية مثل – كوباني – مع إمكانية أن تتبعها مناطق أخرى لم يعد النظام يمانع، على مايبدو ، في تسليمها ل – داعش – إستفزازا لتركيا التي باتت تعتبر المنظمة الإرهابية بعد إستيلاءها على الموصل وإعلانها “دولة الخلافة” خطرا يهدد الأمن القومي التركي بعد أن كانت تعاملت معها خلال السنوات الثلاث المنصرمة كأداة ضد نظام بشار الأسد، إن لم يكن كحليف . وسيكون من السذاجة حقا عدم إدراك واقع أن المناطق الكردية في عموم كردستان الغربية، بما فيها كوباني طبعا، هي مناطق خاضعة تماما لسلطة النظام إذ أن مزحة تحرير ” روژافا” لم تعد تنطل تقريبا على أحد. أما الحركة الأوجلانية فأنها تتحرك في إطار مرسوم لها سلفا، وأي خروج لها عن ذلك، هذا إذا حصل أصلا، ستعاقب عليه بحزم من جانب النظام الذي لايفتقد الوسائل الكفيلة بذلك.
تقهقر المليشيات الأوجلانية في جبهة – كوباني – أمام تقدم عصابات – داعش – التي ضاعفت قوتها بعد إستيلاءها على الموصل سواء لجهة السلاح أو المتطوعين أو المال قد يشكل بداية لإنكفاء الحركة الأوجلانية في كردستان الغربية ومن ثم أفول نجمها. فالنظام بات يعتقد أنه حقق كل ماكان يبتغاه من إستجلاب الأوجلانيين إلى سورية، إذ أنهم “نجحوا” في القضاء المبرم على الحراك الثوري في كردستان، وأرغموا الفئات الكردية الأكثر معارضة لنظام الأستبداد والمتمسكة بالحقوق الكردية إلى السكوت أو ترك البلاد، وأدت سياساتهم القمعية، حتى مقارنة بالنظام ذاته، إلى إفراغ المناطق الكردية ، وخاصة الجزيرة ، إلى حد كبير من سكانها الكرد في أخطر تحد يواجه كردستان الغربية على الإطلاق. وكان من أبرز نتائج التحالف الأوجلاني – الأسدي هو إعلان مايسمى بالإدارة الذاتية المؤقتة التي قسمت كردستان بموجبها، لأول في التاريخ، وبأيد كردية، إلى ثلاث كانتونات، لايربطها أي شيئ،، في تشويه بالغ لقضية الشعب الكردي في هذا الجزء من وطننا كقضية أرض وشعب. لكن الأوجلانيين وحلفاءهم أخفقوا مع ذلك في تمرير مشاريعهم هذه كما كانوا خططوا لها، فالحركة الأوجلانية التي كانت دوما تيارا هامشيا في الحياة السياسية في كردستان الغربية هي الآن أكثر هامشية من أي وقت مضى بفعل سياساتها الخرقاء واللامسؤولة ، و “كانتونات” الأوجلانيين التي يطلق عليها الناس تندرا تسمية”الكارتونات” لاتثير لدى الكردي العادي غير مشاعر السخرية والإستخفاف، وهي لم ولن تحظ بأي إعتراف كردي أو دولي أو حتى من جانب النظام نفسه الذي أشرف من خلال منظومته الأمنية على ولادتها القيصرية، والأوجلانيون الذي إعتقدوا بأنهم سيستخدمون ورقة “روژافا” من أجل تحقيق مكاسب في المفاوضات التي يجريها السيد عبدالله أوجلان مع الدولة التركية عبر جهاز إستخباراتها أسقط في يدهم بعد أن أخفقوا بشكل كارثي في إدارة كردستان الغربية وحماية سكانها من هجمات الإرهابيين وإكتساب أية شرعية قانونية كردية أو دولية، ومع إنقطاع الدعم والعون العسكريين الذين كان لهما الدور الحاسم في صمود الأوجلانيين، أمام هجمات التنظيمات الإرهابية المتطرفة حتى الآن/ دون التقليل طبعا من دور بطولة بناتنا وأبناءنا الميامين في ساحات الوغى/، ومع إحتمال إنقطاع الدعم المالي من جانب النظام لاحقا/ النظام لايزال يدفع رواتب موظفي الدولة في سائر مناطق كردستان الغربية أسوة بالمناطق الأخرى الخاضعة لسيطرته/ سيجد الأوجلانيون أنفسهم أمام ثلاثة خيارات: أما “ركوب الرأس” والإستمرار في سياستهم الكارثية التي لاأفق لها، والدخول في صراع مباشر مع الشعب، بما في ذلك شرائح من حركتهم أيضا، مع كل ما يمكن أن يؤدي إليه ذلك من نتائج وخيمة على مصير شعب كردستان الغربية، أو ترك كردستان سورية والعودة من حيث أتوا إلى جبال قنديل، أو إجراء معالجة شاملة وجذرية لمجمل سياساتهم المدمرة والعمل على إصلاحها من خلال فك تحالفهم مع النظام الأسدي وربيبته في طهران، وحل المليشيات المعروفة تحت إسم – وحدات حماية الشعب- ودمجها في مؤسسة دفاعية كردية حقيقية تدين بالولاء لشعب كردستان الغربية، والإنسحاب الفوري من منظومة الإدارة الذاتية التي هي في الواقع مشروع النظام لتصفية القضية الكردية، وتقديم إعتذار علني وصريح للشعب الكردي عن الأخطاء والخطايا والجرائم التي إرتكبوها بحقه خلال السنوات الثلاث المنصرمة وماقبلها أيضا، والإنخراط الفعلي في مصالحة كردية- كردية شاملة تطوي صفحة الماضي بكل بشاعته وتؤسس لمستقبل واعد من خلال العمل المشترك من أجل تحقيق الثوابت القومية في حق تقرير المصير للشعب الكردي في أطار سورية ديمقراطية تعددية لامركزية، لكن هذا الخيار الأخير هو للأسف، ونظرا للطبيعة الشمولية للحركة الأوجلانية وتاريخها الإشكالي، ضعيف للغاية بحيث يمكن إهماله تماما، ولهذا فإن المأزق الأوجلاني في سورية على الأرجح سيتفاقم بمرور الزمن.
من نافل القول التأكيد هنا مجددا على أن مسؤولية ماألت إليه الأوضاع في كردستان الغربية لايتحمل وزرها الأوجلانيون فقط، بل أن الحركة الكلاسيكية الكردية المستنفذة بشكل شبه كامل لمبررات وجودها، ناهيك عن تمثيلها لطموحات الشعب الكردي وآماله، تتحمل قسطا لايستهان به من المسؤولية. فالحزب الديمقراطي الكردستاني – سوريا وبعد شهور من عقد مؤتمره التأسيسي في هولير لايزال “خارج التغطية” تماما، ولايزال، على الأقل حتى الآن، وجوده من عدمه سيان. ومايسمى بالمجلس الوطني الكردي الذي ولد بالأساس ميتا لايزال هو الآخر “مواظبا بجد” على إصدار البيانات الباهتة الداعية إلى “وحدة الصف الكردي من خلال العودة إلى إتفاقات هولير” التي قبرها الآبوجيون منذ زمن بعيد، ولاتزال العقلية الإتكالية على قوة ما، كردية أوغيرها، تنزل من السماء، هكذا لوجه الله، تعيننا في حل مشاكلنا ومصائبنا هي السائدة. الوضع في كردستان الغربية، وللأسف الشديد، يسير من سيئ إلى أسوء، ولهذا فإن كل القوى الحية في كردستان من مثقفين وساسة وأكاديميين ومواطنين عاديين بما في ذلك حكما الأغلبية الصامته داخل صفوف الحركة السياسية الحالية مدعوون جميعا إلى إستنفار طاقاتهم وزجها في عمل جماهيري دؤوب، كل من موقعه، من أجل وقف إنزلاق شعبنا ووطننا المتسارع نحو الهاوية التي تسوقنا إليها سياسات طبقة سياسية كردية غير منتخبة ،وفي أغلبيتها الساحقة، غير كفؤة لقيادة نضال شعب كردستان الغربية في هذه المرحلة المصيرية من تاريخه.
للبحث صلة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى