محليات - نشاطات

الطلاق في سوريا.. بين ضغوط الواقع وحكم الشرع

يعدّ الطلاق ظاهرة اجتماعيّة متزايدة في المجتمع السوري خلال السنوات الأخيرة، وقد أصبحت من القضايا التي تشغل اهتمام الباحثين الاجتماعيين والجهات الحكوميّة والدينيّة.

فالطلاق، رغم أنه حلٌّ شرعي في حالة استحالة استمرار الحياة الزوجيّة، إلّا أنّ ارتفاع معدلاته يعكس وجود مشكلات اجتماعيّة واقتصاديّة ونفسيّة تحتاج إلى المعالجة.

وتشير الإحصائيات إلى تزايد حالات الطلاق، وخاصةً بعد عام 2011، إذ أسهمت ظروف الحرب والنزوح والضغوط الاقتصاديّة والتغييرات الاجتماعيّة في تفكك عددٍ كبيرٍ من الأسر.

كما ارتفعت نسبة الطلاق بين الأزواج الشباب، الأمر الذي يدلّ على ضعف أسس الاختيار والتفاهم قبل الزواج، ومن أبرز أسبابه الأسباب الاقتصاديّة من تدهور الوضع المعيشي وغلاء الأسعار والبطالة وعدم قدرة الزوج على تلبية احتياجات الأسرة، في حين تبرز أسباب اجتماعيّة أخرى كاختلاف العادات والتقاليد بين العائلتين، وتدخل الأهل الزائد في الحياة الزوجيّة، إضافةً إلى الزواج المبكر دون نضجٍ كافٍ لتحمل المسؤوليّة.

وفي هذا السياق، تقول المحاميّة هورنكا حاجي: إنّ أروقة المحاكم أصبحت تعجّ بدعاوى الطلاق بمختلف أنواعها وأشكالها ولأسباب عديدة، مشيرةً إلى أنّ أكثر الدعاوى الدارجة منذ عام 2011 هي تلك التي تحصل في عقود الزواج دون الدخول، نتيجة عدم استكمال أوراق لمّ الشمل أو تعذّر السفر للالتحاق بالزوج، ما يؤدّي إلى فسخ الزواج وخلق خلافات بين العائلتين في بعض الحالات.

وتضيف حاجي: إنّ إجراءات الزواج الغيابي تتطلّب مصاريف ماديّة باهظة، ناهيك عن الأثر النفسي الذي يتركه الانفصال على الطرفين، خاصةً وأنّ المجتمع ما زال ينظر إلى المرأة المطلقة نظرة سلبيّة، الأمر الذي يزيد من معاناتها بعد الطلاق ويجعلها تواجه صعوبات اجتماعيّة واقتصاديّة مضاعفة.

أما من الناحية النفسيّة والسلوكيّة، فتبرز مشكلات عديدة كغياب التفاهم العاطفي والاحترام المتبادل والعنف الأسري وسوء المعاملة والإدمان على وسائل التواصل الاجتماعي أو الخيانة الإلكترونيّة، كما تلعب الحروب والنزوح والفراق القسري بين الأزواج بسبب الهجرة أو السجن دوراً في ازدياد حالات الانفصال.

من جانبه، يوضّح الشيخ حماد الحميد أنّ الإسلام وضع ضوابط دقيقة للطلاق، فهو “أبغض الحلال إلى الله”، لكنه يصبح حلاً مشروعاً؛ حين تتحوّل الحياة الزوجيّة إلى جحيمٍ لا يُطاق، وتُغلق أبواب الصلح بين الزوجين.

ويشير إلى أنّ الطلاق في الشريعة الإسلاميّة له ثلاث مراحل كما قال تعالى: “الطلاق مرتان”، ويكون في هاتين المرتين طلاقاً رجعياً يحقّ للزوج أن يُعيد زوجته قبل انقضاء العدّة، وهي ثلاثة قروء أي نحو ثلاثة أشهر.

ويتابع الشيخ الحميد أنّ الهدف من هذه المراحل هو إتاحة الفرصة للزوجين لمراجعة نفسيهما، وإعادة التفكير في العلاقة قبل الوصول إلى الطلقة الثالثة التي تُصبح بائنة لا رجعة فيها، مؤكّداً على أهميّة الرفق والحكمة في معالجة الخلافات الأسريّة، وضرورة وجود أهل الخير والصلح لتقريب وجهات النظر ومنع تفكك الأسرة.

وينتج عن الطلاق آثار نفسيّة واجتماعيّة عديدة، أبرزها الشعور بالوحدة والاكتئاب وفقدان الثقة بالآخرين، إضافةً إلى النظرة السلبيّة للمطلقة وصعوبة زواجها مجدداً.

كما يترك الطلاق آثاراً عميقة على الأطفال من حيث اضطرابات السلوك وضعف التحصيل الدراسي وغياب الإحساس بالأمان العاطفي، فيما ينعكس على المجتمع بتفكك الروابط الأسريّة وضعف التماسك الاجتماعي وارتفاع معدلات الجريمة والتشرّد.

ويجمع الخبراء على أنّ الحدّ من ظاهرة الطلاق يتطلّب نشر الوعي الأسري قبل الزواج عبر دورات تدريبيّة وإرشاديّة، وتفعيل مراكز الاستشارات الزوجيّة لتقديم الدعم النفسي والاجتماعي، وتعزيز دور الإعلام والتربية في نشر ثقافة الحوار والتفاهم، إلى جانب تشديد الرقابة القانونيّة على عقود الزواج والطلاق غير الرسميّة.

إنّ الطلاق في المجتمع السوري لم يعد مسألةً شخصيّة بين زوجين، بل قضيّة تمسّ بنية المجتمع واستقراره، ما يستدعي تضافر جهود المؤسسات الدينيّة والاجتماعيّة والحكوميّة لبناء أسرة متماسكة قادرة على تجاوز الأزمات وحماية الأجيال القادمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى