آراء

العدالة الانتقاليّة في سوريا تمرّ من بوابة الفيدراليّة

جيندار بركات

رغم مرور أشهر على طرح مفهوم العدالة الانتقاليّة في سوريا، ما زال هذا الملف يُناقَش في أوساط النخب السياسيّة والقانونيّة، بعيداً عن نبض الشارع واحتياجات الضحايا، وبينما يأمّل السوريون طيّ صفحة الحرب، يبقى غياب رؤية واقعيّة وعادلة لهذا المسار أحد أبرز تحديات المستقبل.

أما السؤال الحقيقي، فبقي مؤجّلاً: من يكتب رواية سوريا؟

ومن يملك حقّ سرد الألم، وتوثيق الذاكرة، والمطالبة بالإنصاف والعدالة وتعويض الضحايا؟

كمواطن نشأت في إحدى أكثر المناطق تهميشاً في سوريا (الحسكة – كُردستان سوريا)، أستطيع القول إنّ العدالة الانتقاليّة، كما تُطرح اليوم، لا تزال منقوصة، لسبب بسيط: لأنّها تُناقش داخل نفس النظام الذي أنتج الإقصاء (النظام المركزي)، وتُصاغ بذهنيّة فوقيّة تنظر إلى الضحايا من علٍ، ولا تُصغي لهم، ولا تشركهم في لجانها، وخُصصت لـ ١٤ عاماً فقط (فترة الثورة السوريّة) وعلى فلول النظام البائد فقط.

* رواية واحدة.. دولة واحدة.. عدالة غائبة

منذ نحو قرن، فُرض على شعوب ومكونات سوريا أن تعيش ضمن دولة واحدة، لم يختر شكلها أحد منهم.

كان ذلك نتاج اتفاقيات استعماريّة، مثل سايكس–بيكو، حيث أعادت القوى المنتصرة في الحرب العالميّة الأولى رسم خرائط المنطقة بمعزل عن إرادة سكانها، فجمعت قوميات وأديان وهويات متعدّدة تحت سلطة واحدة، دون أي نقاش حقيقي حول طبيعة العلاقة بينها.

لكن المشكلة لم تكن في وحدة الأرض فقط، بل في ما تبعها:

نظام سياسي مركزي، فرض تعريفاً واحداً للوطن، ورواية واحدة للتاريخ، وهوية واحدة للناس، ومسح التنوع الذي كان يجب أن يكون مصدر قوّة.. لا مصدر خطر.

وباسم (الوحدة الوطنيّة)، تمّ إلغاء الروايات المحليّة، وتغييب الذاكرة المجتمعيّة لمناطق بكاملها، خصوصاً في المناطق الكُرديّة والمناطق ذات الخصوصيّة الثقافيّة أو القوميّة أو الدينيّة.

وفي ظلّ هذا النموذج، لم تكن العدالة سوى أداة بيد السلطة، تُمارسها حين تريد، وتمنعها متى تشاء.

فكيف نتحدّث عن (عدالة انتقاليّة)، إذا كنا سنُعيد إنتاج النموذج نفسه؟

كيف نطلب من المركز أن يُنصف من همّشه لعقود؟

وهل يمكن أن تُفرض ذاكرة واحدة، في بلد تعدّدت فيه الآلام، وتوزّعت فيه الانتهاكات على كل رقعة وبيت وزاوية؟

* من الإعلام إلى الفيدراليّة: إعادة توزيع الصوت والسلطة

في العمل الإعلامي، تعلّمنا أنّ الحقيقة لا تُفرض من الأعلى، بل تُجمع من الأرض، من روايات الشهود، من الصور المتناثرة، من الأصوات التي لم تجد من يسمعها.

وهذا بالضبط ما تحتاجه العدالة الانتقاليّة في سوريا: نظام سياسي جديد، يعيد توزيع الصوت والسلطة معاً.

ولذلك، فإنّ الانتقال إلى نظام لا مركزي سياسي (فيدرالي) ديمقراطي، لم يعد خياراً سياسياً أو مطلباً نخبوياً، بل أصبح ضرورة أخلاقيّة وعدليّة، لضمان ما يلي:

* أن يتمكّن كل إقليم من فتح أرشيفه، وتوثيق ذاكرته.

* أن تنشأ لجان محليّة للحقيقة والمصالحة تمثّل المجتمع نفسه.

* أن يتمّ جبر الضرر من الدولة الاتحاديّة، لا بفضل أو منّة، بل كحق دستوري.

* أن تعترف الدولة بتعدد الهويات والتجارب والمظلوميات.

* تجارب العالم تؤكّد ذلك:

هنا سأُشير إلى بعض التجارب الدوليّة الهامة:

* ألمانيا بعد النازيّة: بعد الحرب العالميّة الثانية، اعتمدت ألمانيا نموذجاً اتحادياً، سمح لكل ولاية بإدارة ملفات العدالة والذاكرة، بما في ذلك فتح الأرشيف وبناء المتاحف التوثيقيّة وتعويض الضحايا، وذلك ضمن سياقاتها المحليّة، وبالتوازي مع سياسة اتحاديّة شاملة.

* جنوب إفريقيا: مع العلم جنوب إفريقيا دولة موحدة دستورياً (وليست فيدراليّة مثل ألمانيا أو سويسرا أو العراق)، لكنها مقسّمة إلى 9 أقاليم، ولكل إقليم: برلمان إقليمي منتخب، حكومة محليّة، وبعض الصلاحيات التشريعيّة والتنفيذيّة.

ولكنها واحدة من أبرز تجارب العدالة الانتقاليّة، حيث جرى إنشاء (لجنة الحقيقة والمصالحة)، لكن الأهم هو أنّ النظام الفيدرالي سمح بتطبيق سياسات العدالة والمصالحة بشكل متفاوت،  وفق احتياجات الأقاليم، بما في ذلك إعادة الاعتبار للغات والثقافات المهمشة خلال نظام الفصل العنصري.

* العراق بعد 2003: رغم الثغرات، إلّا أنّ الفيدراليّة في إقليم كُردستان العراق أتاحت تشكيل مؤسسات مستقلة لتوثيق الجرائم بحق الكُرد ، مثل الأنفال والقصف بالكيماوي والمطالبة بالتعويض، وتخليد الذاكرة الجماعيّة للضحايا.

-هذه المساحة لم تكن متاحة في ظل الدولة المركزيّة القمعيّة السابقة.

* البوسنة والهرسك، بكثير من التعقيد والانقسام، وجدت أنّ الاعتراف بالكيانات المختلفة هو السبيل الوحيد لمنع العودة إلى النزاع.

* سوريا المتنوعة بحاجة لعدالة لا تخاف التنوع

القامشلي، الحسكة، كوباني، الرقة، دير الزور، السويداء، عفرين.. إلخ.

هذه ليست مجرد أسماء مدن، بل محطات لذاكرة ممزقة، ومجتمعات لم تُعطَ حتى الآن فرصة قول ما جرى لها.

ومع غياب الدولة العادلة، واحتكار القرار وفرض سرديّة واحدة، فإنّنا أمام خطر كتابة تاريخ جديد بنفس أدوات التزوير القديمة.

العدالة الانتقاليّة، إن لم تُبْنَ على قاعدة سياسيّة عادلة، ستكون مجرّد (تجميل) لسلطة جديدة، لا تختلف عن سابقتها.

الرسالة التي أودّ إيصالها، كإعلامي وكناشط:

* دعونا نكتب روايتنا بأصواتنا.

* دعونا نطالب بنظام يوزّع السلطة لا يحتكرها، يعترف بالتعدد لا يخافه.

* دعونا لا نقبل بعد اليوم بعدالة من فوق، بل نؤسس لعدالة من الأرض، من الناس، من المجتمعات.

إنّ الفيدراليّة في سوريا ليست مشروعاً انفصالياً، كما يُصوَّر، بل هي إطار لبناء الثقة، ومكان لسماع الحقيقة، ومنبر لرواياتٍ ظلّت مغيّبة لعقود.

وإذا كنا نريد حقاً ألّا تتكرر المأساة، فلنبدأ من الأساس: إعادة بناء شكل الدولة، كي تُبنى العدالة فوق أرضٍ صلبة.

المقالة منشورة في جريدة يكيتي العدد 335

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى