العراق على مفترق طرق

هشام ملحم

يواجه العراق اليوم أسوأ أزمة تهدد نظامه السياسي الآسن وفساد الطبقة الأوليغارشية والدينية الحاكمة، منذ اجتياح قوات “الدولة الإسلامية” الإرهابية لشمال العراق في 2014 واحتلال مدينة الموصل.

على مدى السنوات الأخيرة، كانت مدن العراق وخاصة في الجنوب تشهد تظاهرات احتجاجية، وخاصة خلال فصل الصيف الحارق مع انقطاع التيار الكهربائي. ولكن التظاهرات الاحتجاجية الراهنة، بعفويتها وشيوعها واستمرارها وكونها غير منظمة من قبل قوى سياسية ودينية معروفة، ومطالبها الوطنية وصرخة شبابها: نريد وطنا؛ تمثل نقلة نوعية عن التظاهرات السابقة.

هذه المرة، بدأت التظاهرات سلمية ضد الفساد، وانعدام الخدمات الأساسية، والنفوذ الإيراني الخانق، ولكنها بعد أن ردت السلطات بعنف غير مبرر، وحصدت برصاصها أكثر من 100 قتيل و6 آلاف جريح، تحولت إلى رفض لمجمل التركيبة الحاكمة منذ 16 سنة، أي منذ الإطاحة بنظام صدام حسين.

مشهدين مأساويين في العراق وسوريا

في الأسبوع الثاني من شهر أكتوبر 2019 وجد الأميركيون أنفسهم يراقبون مشهدين مأساويين في العراق وسوريا، حيث استثمروا الكثير بشريا وسياسيا وماليا. الغياب السياسي الأميركي في العراق لا يمكن إلا أن تكون له أبعاد سلبية.

الولايات المتحدة لا تزال تسلح وتدرب القوات العراقية المسلحة، ولا يزال العراق بحاجة إلى التقنيات الأميركية لتحديث وتطوير قطاع النفط والغاز، ولا يزال لواشنطن حلفاء وأصدقاء يجب مساعدتهم على مساعدة أنفسهم لشق طريق جديد لعراق ديمقراطي تعددي يسود فيه مبدأ المواطنة على حساب الانتماءات الدينية والمذهبية والإثنية.

السيناريوهات التي يمكن أن ينتهي إليها العراق عديدة ومعظمها سيء

أي فراغ سياسي أميركي سوف تستغله إيران التي تريد أن توحي للعراقيين ولجيرانهم أنها أصبحت الطرف الخارجي الأكثر نفوذا في عملية صياغة مستقبل بلاد الرافدين. قطعا هذا لم يكن الهدف من الإطاحة بطغيان صدام حسين، وقطعا ليس هذا هو الهدف الذي ضحى من أجله العراقيون في السنوات الماضية.

في سوريا، جارة العراق، حصلت تركيا على قبول أميركي ضمني، (البعض يقول “مباركة” أميركية) لاجتياح تركي لأراض سورية في شمال البلاد. وتعهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مكالمة هاتفية مع الرئيس التركي طيب رجب أردوغان بأن القوات الأميركية لن تتواجد في المنطقة التي ستجتاحها القوات التركية.

في ديسمبر الماضي استقال وزير الدفاع جيمس ماتيس بعد مكالمة هاتفية بين ترامب وأردوغان تعهد خلالها ترامب بسحب القوات الأميركية من سوريا. المكالمة الأخيرة بين ترامب وأردوغان هي تأكيد جديد بأن الرئيس ترامب يريد إنهاء الوجود العسكري الأميركي في سوريا.

وبعد أن بسط بشار الأسد سلطته الأمنية على المدن السورية الرئيسية بالحديد والنار وبدعم مباشر من روسيا وإيران، تسعى تركيا إلى مواجهة عسكرية مع أعدائها الأكراد في شمال سوريا.

في العراق أي غياب لدور أميركي سياسي إيجابي، سوف تستغله إيران، وفي سوريا تراجع أميركي سيكون لصالح تركيا على حساب السوريين، وعلى حساب سمعة الولايات المتحدة أيضا. بعد التخلي الأميركي عن المقاتلين الأكراد والعرب الذين حاربوا “الدولة الإسلامية” وقضوا على “خلافتها” الدموية، من سيثق بوعود والتزامات الولايات المتحدة في المنطقة؟

العراق إلى أين؟

على الرغم من أن العراق اليوم بنظامه السياسي المتصدع، ومطالب شبابه بإصلاح بنيوي وجذري على الصعيدين السياسي والاقتصادي، يقترب من نزاع أهلي واسع، إلا أن الولايات المتحدة لم تتحرك بعد أسبوع كامل بطريقة توحي أنها تعتزم التأثير على القوى العراقية لكبح الجنوح نحو نزاع أهلي شامل يهدد مستقبل دولة قتل فيها حوالي 4500 عسكري أميركي وجرح أكثر من 30 ألفا، وأنفقت فيه الحكومات الأميركية حوالي ترليوني دولار.

السرعة التي لجأت إليها حكومة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي لإطلاق النار على المتظاهرين العزل، وقطع شبكة الإنترنيت، والتي صاحبها هجمات ترهيبية قام بها شباب ملثمون ضد مكاتب الفضائيات العربية المعتمدة في العراق مثل “العربية” و”سكاي نيوز” وغيرها (قبل أسابيع اتخذت الحكومة العراقية قرارا بوقف بث قناة “الحرة” في العراق، لأنها تجرأت على فتح ملف فساد المؤسسات الدينية)، كلها إجراءات لا تدعو إلا للتشاؤم. الدولة التي تعطل شبكة الإنترنيت وتهاجم الإعلام الدولي تريد عزل نفسها وشعبها عن العالم، لكيلا يرى العالم كيفية قمعها لتظاهرات سلمية.

ونظرا لأن التظاهرات الاحتجاجية ليست منظمة من قبل قوى سياسية لها عنوان وقيادة، ونظرا لاستمرار قمعها بالقوة، فإن استمرارها دون أفق سياسي قد يؤدي إلى انزلاقها تدريجيا إلى نزاع أهلي كبير.

ونظرا لأن النظام السياسي الراهن في العراق لا يحكمه رئيس “مهيب” ولم يعد “مركزيا” وقويا كما كان خلال حكم نظام البعث، ونظرا لأنه مؤلف من ائتلاف مطاط، لن يكون لشعار “الشعب يريد إسقاط النظام” الوقع الذي كان له في تونس وفي ليبيا ومصر واليمن.

طبيعة النظام العراقي الراهن، مبنية على محاصصة طائفية ضيقة الأفق، مماثلة لطبيعة النظام الطائفي في لبنان. هذا الوضع المعقد يعني أن أي حركة احتجاجية إذا لم يتم تلبية مطالبها بسرعة، مرشحة للتفكك وعودة عناصرها إلى انتماءاتهم الضيقة. هذا من بين أسباب عدم وصول الانتفاضات العربية إلى لبنان والعراق حتى الآن.

خلال الربيع الماضي أجري استطلاع شامل للرأي في العراق أعرب فيه العراقيون عن حالة تشاؤم قاتم بشأن مستقبل البلاد. فقد أكد 82 بالمئة من العراقيين أنهم قلقون جدا بشأن تفشي الفساد على أعلى المستويات في البلاد، ورأى 83 بالمئة منهم أن الفساد يزداد سوءا.

بدأت التظاهرات سلمية ضد الفساد، وانعدام الخدمات الأساسية، والنفوذ الإيراني الخانق

الحلول السابقة، مثل اجراء انتخابات جديدة لم تؤد إلى أي تغيير ملحوظ لأن المطلوب هو إصلاحات بنيوية للنظام السياسي وطبيعة تمثيل العراقيين في برلمان لم يتحول حتى الآن إلى مؤسسة سياسية قادرة على التشريع وعلى مراقبة أعمال الحكومة ومساءلتها، وتتعايش فيه الكتل المؤيدة للحكومة مع الكتل السياسية المعارضة.

القوى السياسية والدينية في المجتمع العراقي المستفيدة من الوضع الراهن سياسيا واقتصاديا، أصبح لها جذور عميقة، وهي قادرة، في غياب احتكار الدولة للقوة العسكرية، على إعاقة أو تقويض أو حتى تفجير أي محاولة إصلاحية جذرية يمكن أن تهدد ولو نظريا هيمنتها على النظام السياسي. معظم هذه القوى لا تستطيع أن تقول إنها تتمتع بصدقية في أوساط الرأي العام العراقي.

السيناريوهات التي يمكن أن ينتهي إليها العراق عديدة ومعظمها سيء. استمرار التظاهرات واستمرار القمع القوي لها، وغياب الأفق السياسي الذي يمكن أن يفتح المجال لعملية إصلاحية تكون أقل من جذرية ولكنها أكثر من تجميلية، يمكن أن ينجح في ترهيب المتظاهرين وتنفيس حركتهم، بحيث تصبح هذه الموجة من التظاهرات مثل سابقاتها وإن كانت أكبر وكلفتها أكثر.

ولكن يمكن للتظاهرات أن تستمر وأن يلجأ المتظاهرون إلى العنف للدفاع عن أنفسهم، قبل الانتقال إلى العنف المضاد، وهذه ظاهرة شهدها العراق في أعقاب الإطاحة بنظام صدام حسين، حيث تحولت بعض المدن إلى معاقل لمعارضة مسلحة للسلطة في بغداد. طبيعة النظام العراقي، ووجود قوى مسلحة موجودة على الأرض بعناصرها المدربة، والتي تتأثر أو تأتمر بأوامر من خارج البلاد، وتحديدا إيران، يعني أن الانقلاب العسكري أمر غير وارد.

الإصلاح لن يحدث إلا إذا كانت هناك قوى عراقية نافذة تدرك أن الوضع الراهن غير قابل للاستمرار

بصيص الأمل الوحيد هو أن يرغم الوضع الاقتصادي المتردي، وانخفاض أسعار النفط، واستمرار الاضطرابات في الشارع وبقاء الاستثمارات الأجنبية بعيدة، البعض في الطبقة السياسية الحاكمة لقبول بعض الطروحات الإصلاحية وتحديدا الإصلاحات الدستورية التي تعزز دور البرلمان وتحسن من تمثيله الحقيقي للقوى السياسية العراقية، وقدرته على المراقبة الحكومية.

في هذا السياق هناك دور للولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي والأمم المتحدة والمؤسسات المالية الدولية لدفع العراقيين إلى مؤتمر وفاق وطني جديد لاعتماد إصلاحات قابلة للحياة، مقابل مساعدات تقنية وسياسية وإدارية من هذه الدول والمؤسسات.

طبعا، هذا الإصلاح لن يحدث إلا إذا كانت هناك قوى عراقية نافذة تدرك أن الوضع الراهن غير قابل للاستمرار، وتنطلق من اعتبارات وطنية بهدف إنقاذ البلاد من انهيار كبير وحرب أهلية تدمر الصرح فوق رأس الجميع.

الحرة

جميع المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي يكيتي ميديا

قد يعجبك ايضا