العشائرية والمناطقية وأثرها على الوعي القومي الكُردي

محمد زكي أوسي

منذ القديم يواجه نمو الوعي القومي الكردي مشكلة العقلية العشائرية والمشيخات والآغوية والمناطقية, هذه الظاهرة  ضارة بمصالح الشعب الكردي القومية لذا شجعتها الدول الغاصبة لكردستان وما تزال وقد أدرك المرحوم العّلامة الملا محمود البايزيدي (1799-1867)م. خطورة تشجيع الروح العشائرية على نمو وتبلور المشاعر القومية والحيلولة دون اتفاق الكرد واتحادهم, فكتب يقول: (لو كان الكرد مثل الشعوب الأخرى, واتحدوا فيما بينهم لاستطاعوا تشكيل دولتهم وإعلان استقلالهم, لو اتحدت بعض العشائر لاستطاعت كتلة مهمة وبلا شك كان ممكناً أن تتحول بعد ذلك إلى دولة).

ومن هنا لا يمكن تطور الشعب الكردي وتحقيق تطلعاته القومية في بناء دولته المستقلة إلا بالتخلص من هذه الظاهرة ومحو آثارها السلبية, فإذا كان الفرد عشائرياً أو مناطقياً, لا يمكن اعتباره قومياً كردياً واعياً ولا مواطناً صالحاً ديمقراطياً, فالقومية لا تُفهَم علمياً إلا بالتجرد من هذه الظاهرة, وكل محاولة للتوفيق بين القومية والعشائرية والمناطقية هي تلفيقية, لأن النزعة القومية الخالصة تؤكد على الرابطة القومية دون الروابط الأخرى.

إن العشائرية نقيض المجتمع المدني والرؤية السليمة للمجتمع, وكل مجتمع تنتشر فيه العشائرية عليل, ولأن العشائرية مهيمنة على كردستان, فإن المجتمع لا يُعَدُّ من المجتمعات المدنية كما يجب, ولا يختلف اثنان على أن العشائرية والمناطقية لا تتوافق مع الديمقراطية التي هي مبنية على سلطة القانون المجسد للدولة, بينما العشائرية تتجاوز القانون وتُعِدّه نقيضة لها, إنها تمثل القاع المدني من الفكر, وتياراً سافلاً من ذوي التفكير والثقافة السطحية, وكل إنسان ذي عقلية عشائرية مقيد بحدودها, وهذا يمنعه من إدراك دولة قومية مستقلة واستعابها.

ويظهر أمام هذا الواقع سياسة كثير من الأحزاب القومية وأساليبها, إنها لم تَعد تهتم بنوعية المنتمين إليها وثقافاتهم وتاريخهم السياسي وسيرهم, بل المهم عندها جمع عدد كبير من الأفراد بغض النظر عن خطأ وخطورة هذا التوجه الذي دفع كثيراً من المثقفين وحملة الشهادات العليا إلى عدم إخفاء مرجعيتهم العشائرية وممارسة الانتهازية في السلوك, أي أنهم يمارسون التمزيق مضاعفاً مع سبق الإصرار, فلا يمكن وضع النزعة القومية ضمن حقل الولاءات العشائرية والمناطقية للحداثة.

ومن هنا أرى أن على الأحزاب القومية الكردية مراجعة سياساتها الآنية وغير الموضوعية, وإلا فإن ظاهرة العشائرية والمناطقية غير العصرية ستستمر ويبقى الوعي القومي الكردي متخلفاً.

وإذا استمر التوجه القبلي غير الموضوعي, ستتحول كردستان إلى غابة عشائر, والقومية الكردية إلى قومية عشائرية, وتاريخنا إلى تاريخ قبائل وعشائر وليس تاريخ شعب, وعندها  سيصبح الوعي القومي الكردي غائباً, وهذا ما تبتغيه الدول الغاصبة لكردستان والمعادية لليقظة القومية الكردية, إن البنية القبلية تأتي في مقدمة العوامل التي كانت سبباً لإخفاق الحركات الاستقلالية الكردية, وأحد أهم معوقات الوحدة القومية الكردية, وبقاء الكرد تحت نير الأجنبي حتى الآن, ولو دققنا النظر في أية حركة وطنية كردية في تاريخ كردستان الحديث والمعاصر, لوجدنا الدور السلبي للعشائرية والجهل والتعصب الديني فيها, وبدون شك إن العشائرية من سمات التخلف ونظام رجعي يَحول دون نمو وتطور الوعي القومي الكردي وقيام الدولة الكردية, وهذا يفسر بجلاء تشجيع الدول الغاصبة لكردستان على إبقاء العشائرية ودعمها وتعاونها مع ممثليها وشيوخ الدين المتنفذين والداعمين لها ولتوجهاتها السلبية القاتلة.

 

المقال منشور في جريدة “يكيتي” العدد 267

قد يعجبك ايضا