
العلاقة الجدلية بين السياسة والأخلاق: بين الواقع والانحراف
نجم الدين كياض
في عالمٍ تتقاطع فيه المصالح والصراعات، تتردد عبارة مألوفة في بعض الأوساط السياسية: “السياسة لا أخلاق لها”.
هذه المقولة، رغم انتشارها، تنطوي على مغالطة خطيرة، إذ تُبرّر استخدام وسائل غير شرعية كالعنف، القمع، والخداع لتحقيق أهداف سياسية، إلى جانب توظيف الإعلام لتضليل الرأي العام.
لقد أصبح هذا الفهم “الميكافيلي” للسياسة مغريًا للعديد من الأنظمة، التي مارست العنف ليس فقط ضد خصومها، بل حتى ضد شعوبها، في ظل غياب رادع أخلاقي أو قانوني.
وقد شهد القرنان العشرون والحادي والعشرون نماذج مرعبة لانفصال السياسة عن القيم الأخلاقية.
أولًا: نماذج لانحراف السياسة عن الأخلاق
العراق: شهد العراق واحدة من أكثر التجارب المأساوية لانفصال السياسة عن الأخلاق، حيث واجه الشعب بطوائفه ظلم نظام صدام حسين، من حملات اعتقال جماعية، إلى مجازر الأنفال ضد الكُرد، واستخدام السلاح الكيماوي في حلبجة وخورمال، مما أدى إلى مقتل آلاف المدنيين. كما تم قمع الانتفاضات وسُحقت الحريات العامة.
إيران: في إيران، تم تسييس الدين تحت عباءة “ولاية الفقيه” لقمع المعارضين، من خلال الإعدامات، والمحاكمات الصورية، وسياسات التمييز ضد الأقليات القومية، وخاصة الكُرد.
سوريا: مثّل النظام السوري البائد نموذجًا للعنف الممنهج، منذ عهد حافظ الأسد، مرورًا بمجزرة حماة عام 1982، وصولًا إلى الثورة السورية 2011، حيث استخدم النظام كل أدوات البطش، بما في ذلك السلاح الكيماوي في الغوطة الشرقية.
وقد وثّقت منظمات دولية هذه الجرائم، التي حوَّلت السياسة إلى أداة قمع، حتى سقوط النظام في 8 كانون الأول 2024.
مرحلة ما بعد الأسد:
رغم سقوط النظام، لم تخلُ المرحلة الانتقالية من ممارسات انتقامية ضد مكونات اجتماعية مثل العلويين والدروز، ورافق ذلك تحريض إعلامي ضد الكُرد، واتهام “الإدارة الذاتية” في شمال شرق سوريا بالانفصالية، رغم إعلانها المتكرر تمسكها بوحدة البلاد ضمن نظام لا مركزي. وفق تصريحات مسؤولي الإدارة.
كما وثّقت تقارير دولية، بما فيها “هيومن رايتس ووتش”، انتهاكات لعناصر “قسد”، من بينها العنف وخطف الأطفال، وهو ما يهدد مصداقية أي مشروع سياسي يدّعي الدفاع عنها.
ثانيًا: العنف الثوري وإعادة إنتاج الاستبداد
خارج إطار الدول، مارست بعض الحركات المسلحة القمع ضد معارضيها ومنتقديه، واستخدمت الترهيب ضد مجتمعاتها، متجاهلة المبادئ التي تدّعي تبنيها.
من الأمثلة على ذلك، حزب العمال الكُردستاني، وبعض المجموعات المسلحة في سوريا (عفرين، والمناطق الجنوبية)، التي أعادت إنتاج أنماط سلطوية مشابهة لتلك التي واجهها الكُرد لعقود.
ثالثًا: السياسة بين القمع والنضال الأخلاقي
رغم الأمثلة السابقة، أثبتت تجارب عدة أن النضال الأخلاقي والسلمي يملك قوة معنوية هائلة في بناء مجتمعات حرة:
نيلسون مانديلا، الذي خرج من السجن بعد 27 عامًا ليقود جنوب إفريقيا نحو التحرر دون انتقام، واضعًا الأخلاق أساسًا لبناء الدولة.
كردستان الجنوبية( العراق)، حيث برزت قوى سياسية فاعلة تبنت الحوار والتعددية، وتميز خطاب السيد مسعود البارزاني بالاتزان والابتعاد عن لغة العنف. في بناء المؤسسات والدولة.
غاندي والهند، حيث قاد غاندي حركة الاستقلال عبر مبدأ “اللاعنف”، مجسِّدًا التقاء السياسة بالأخلاق.
رابعًا: هل السياسة والأخلاق على طرفي نقيض؟
لا أرى أن السياسة والأخلاق على طرفي نقيض كما يُروّج البعض، بل هما متكاملان.
وتقوم بينهما علاقة جدلية ترسّخ القيم الأخلاقية في خدمة العدالة وبناء الثقة بين الحاكم والمحكوم.
آراء فكرية:
يرى الفيلسوف جون رولز أن العدالة هي الركيزة الأولى في بناء أي نظام سياسي، وأن فقدانها يعني فقدان الشرعية.
بينما دعا نيقولا ميكافيلي إلى البراغماتية السياسية حتى على حساب الأخلاق، حفاظًا على السلطة.
غير أن التاريخ يُظهر أن السياسة المنفصلة عن الأخلاق تنهار، لأنها تُبنى على الخوف لا على الثقة، وعلى البطش لا على التعايش.
وقد لخّص عبد الرحمن الكواكبي ذلك بقوله:
> “الحاكم إذا خالف القيم الأخلاقية، فمصيره الزوال، لأن العدل أساس الملك.”
وهو ما حدث مع أنظمة مثل: صدام حسين، الأسد، القذافي، علي عبد الله صالح، وحسني مبارك.
خامسًا: رسالة إلى السياسيين الكُرد
في ظل التحولات المصيرية، من المؤسف أن بعض السياسيين الكُرد يمارسون أساليب تتناقض مع القيم التي ينادون بها، مثل التخوين، الكذب، واستغلال النفوذ، حتى على حساب وحدة الصف الكُردي.
لكن في المقابل، هناك أصوات كردية حرّة تؤمن بأن القضية الكُردية لا يمكن أن تنتصر إلا عبر الصدق، والنزاهة، والتمسك بالمبادئ الإنسانية، بعيدًا عن إعادة إنتاج أدوات الظلم التي مورست ضدهم لعقود.
أخيرا: > السياسة دون أخلاق تتحول إلى وحش مفترس، أما السياسة المؤطّرة بالقيم، فهي قوة تحرّر، تزرع العدالة، وتبني الثقة.
وما بين مقولة ميكافيلي ودرس مانديلا، يبقى الخيار الأخلاقي هو الأبقى، والأقدر على الاستمرار في وجه التحديات.
المراجع
1- نيقولا ميكافيلي، الأمير.
2- جون رولز، نظرية العدالة.
3- عبد الرحمن الكواكبي، طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد.
4- المهاتما غاندي، تجاربي مع الحقيقة.
5- نيلسون مانديلا، رحلتي الطويلة من أجل الحرية.
5- تقارير دولية (منظمة هيومن رايتس ووتش، وغيرها) حول استخدام العنف من قبل أنظمة في سوريا، العراق، إيران، وغيرها.






