آراء

الفنان جميل هورو يستلهم التراث ويجسّد “صدى القضية

ادريس شيخة

يُعتبر الفن جزءاً أصيلاً لا يتجزأ من الهوية الثقافية للحضارات والشعوب، وهو من الأهمية بمكان بحيث يمكن توظيفه في نشر الأفكار والمشاعر، والتأثير في القضايا الحسّاسة والمفصلية التي تمرّ بها الشعوب، ولمَّا كان الفن بهذه الأهمية والمكانة، فقد كان للفنان تأثير عظيم على مجتمعه، خاصةً إن هو انحاز إليه، وإلى القضايا الإنسانية العادلة، واستطاع أن يُعبِّر عن نبض الشارع، بعيداً عن الإسفاف والابتذال، عندها فقط سيحظى بأهميةٍ ومكانةٍ عاليتين، وسيكون قادراً على بثّ الأمل في نفوس جيله، وفي نفوس الأجيال اللاحقة.
ولعلّ من أبرز هؤلاء الفنّانين الذين سخروا حياتهم الفنية لهذه الغاية العظيمة الفنّان
جميل رشيد علي هورو ، بصوته الجبلي، ولد بتاريخ 10/3/1934 في قرية سعرينجك العفرينية الكُردستانية.
تزوّج الفنان الراحل جميل هورو بحياته ثلاث مرات من حنيفة حسن من قرية معبطلي عام 1959م وأنجبت له عام 1960 ولداً أسماه أحمد و”بلنك” كان لقبه، ولذلك كان يُلقّب الفنان الراحل جميل هورو بـ”بافى بلنك” وقد توفّي “بلنك” في غارةٍ للطيران الإسرائيلي مع عددٌ من العمال الكُرد الذين كانوا يعملون في إحدى المزارع اللبنانية إثر القصف الإسرائيلي عام 2006م .
أما زوجته الثانية فكانت باسم فيدان محمد من قرية زيتونك، تزوّجها عام 1961م وله منها من الأبناء: محمد رشيد (حنيف) 1965، هوريك 1969، حنان (الأول) 1973 واختطف وقتل وعمره ثلاث سنوات في حادثٍ غامض يتّهم فيه أعضاء الحزب الشيوعي بالوقوف وراء الجريمة البشعة ، حيث كشفت جثته بعد أيامٍ في نهر عفرين وشكّلت هذه الجريمة إحدى العلامات الفارقة في حياة الفنان جميل هورو ، وسمّى وليده الجديد والذي ولد عام 1979 على اسم حنان ، وآخر العنقود من الذكور هو علي تولد 1983م، أما الإناث فهن: مزكين عام 1967م، سلطان 1978، نارين 1982، كُردستان 1984م. وزوجته الثالثة كانت باسم عيشه هوشان تزوّجها عام 1985.
كان عمله الآخر ،إلى جانب الغناء ، النجارة حيث عاد إليها مرةً أخرى في أواخر حياته وفتح محل نجارة بناحية جنديرس بعفرين، وكان يعمل بالمحل ؛ ليعيل الأسرة ، رغم كبره بالعمر، وآلام جروح العملية التي كان قد أجراها في وقت قريب والتي كانت تنزف أحياناً وهو يدفع بلوح الخشب أمام المنشار.
وكذلك مارس عدداً من المهن بحياته؛ منها فتح مقهى بحي الشيخ مقصود بمدينة حلب، وكانت تعرف باسمه (مقهى جميل هورو المعروف ) ،وكذلك عمل قاعة للعرائس عند قرية تل سلور القريبة من جنديرس لإعالة الأسرة الكبيرة، حيث كلّ عمله ووفائه للفن والغناء الكُردي لم يكن ليعيله ويعيل العائلة، فكانت تجبره الظروف إلى الالتجاء لأعمال أخرى لإعالة العائلة .
كان الراحل جميل هورو أحد أعضاء الحزب الديمقراطي الكُردستاني – سوريا، وبالرغم من انشقاق الحزب 1965، إلا أنه بقي ضمن صفوف البارتي ، وقد تعرّض نتيجة نشاطه السياسي للاعتقال والملاحقة والسجن، وفي فترة الوحدة بين سوريا ومصر 1958 تعرّض للتعذيب الشديد على مدى ثمانين يوماً ؛كونه قام مع ثلاثة آخرين من رفاقه بإشعال شعلة نوروز ، وهم يُعتبرون أول مَن أشعلوا نيران نوروز في المنطقة، وبعد خروجه من السجن ولمداوته نُقل لمشفى الرازي بمدينة حلب ، وعندما علم الطبيب بأنه كُردي وسياسي، رفض معالجته، وتمّ على أثر ذلك مداواته في بيت أحد الأطباء الكُرد .

ونتيجة الملاحقات الأمنية اضطرّ إلى الخروج من سوريا مع عائلته إلى تركيا ، وبقي هناك فترةً من الزمن باسمٍ مستعار “عبد القهرمان” ثم انتقل إلى إقليم كُردستان، حيث بقي فترةً من الزمن بضيافة القائد والبيشمركة عيسى سوار بقضاء زاخو في إقليم كُردستان .
كان عمره عشر سنوات عندما تتلمذ في قرية جولاق على تجويد وتلاوة الآيات القرآنية، والتي شكلت أساساً متيناً للنغمة الموسيقية لديه، واكتشف أنه يملك حنجرة ذهبية ، وهو يتلو الآيات أو بعض الأناشيد المدرسية والدينية .
وترك التعليم الديني ليبدأ حياته مع الأغنية الكُردية في الأعراس والاحتفالات العفرينية، ولبداية الستينيات من القرن الماضي، وفي منتصف الستينيات _عامي 1965 و1966 سجل أولى ألبوماته وإسطواناته في أستوديو بحلب مثل أغاني؛ (Memê Alan, Feteh beg, Ûsib Şer, Xana Dinê, Eyşa Îbê, Dizo, Cebelî, Xemê Zalim, Tosino, Wey lawo.. Lo bavo) .. وغيرها الكثير من الأغاني التراثية الفولكلورية مع بعض الأغاني الخاصة به مثل أغنيته الأخيرة “لو بافو”.
كانت تلك المرحلة الأولى من مشواره الفني، ولكن ونتيجة الملاحقة الأمنية فقد غادر البلدعام 1970م إلى تركيا ، وحتى قبل ذلك فقد زار تركيا عدداً من المرات ، وسجل مع الفنانة الكُردية عيششان وقد عزف لهما عارف صاغ الموسيقي الكُردي المعروف بتركيا .
كما وفي لقاءٍ يجمع بينه وبين عددٍ من المطربين الكُرد في تركيا، من بينهم نوري سوزكوزل، رفع الأخير قبعته احتراماً وتقديراً للفنان الراحل جميل هورو ، وذلك بعد أمسيةٍ غنائية مشتركة .
هكذا وبعد عودته من إقليم كُردستان ، وتلك السنوات من العمل السياسي ، وقربه ومعايشته للحدث الثوري للبارزانيين ، فقد شكّلت منعطفاً جديداً في حياة الراحل الفنية ، وقد انعكس ذلك في ألبوماته التي سجلها في المرحلة الثانية من مشواره الفني في الغناء الكُردي ، حيث نجد الأغاني التالية: (Leyla Qasim, Şêx Seîd, Ebro kevan, Keça Kurda, Berzanî, Pêşmergê Kurd, Newroz, Delalê Milanî, Ay felek ..felek, Gula Nesrînê) وغيرها من الأغاني التي تمجّد الثورة الكُردية ورموزها النضالية.
شارك الراحل جميل هورو في مهرجان سوق الإنتاج في 2/7/1972 مع عددٍ من الفنانين الكُرد والعرب وذلك في سينما ريفولي بلبنان في مهرجان وإحتفال عيد النوروز ، وكذلك شارك ، وبرفقته فرقة عفرين للرقص، في احتفال نوروزي آخر بمدينة قامشلو مع كلٍّ من المطربين؛ صلاح رسول، محمود عزيز،سعيد يوسف.، سعيدكو . شيرين، سيفي متين
_ لقد أغنى الراحل جميل هورو المكتبة الكُردية بالعديد من التسجيلات والأغاني الفولكلورية والتراثية، بالإضافة إلى أغانيه الخاصة، وقد سجّل عدداً من الألبومات في تركيا مثل:
Bedev, “Bedew” can.
Salih bey, “beg”.
Lo lavo, “lo lawo”.
Mem û Zîn.
Teyar axa.)
وذلك بالإضافة إلى ما ذكرناه سابقاً، مما جعله أحد أهم الرموز الغنائية العفرينية، وكان الراحل يستمع إلى بعض المطربين الذين كانوا يحظون عنده ببعض الخصوصية مثل؛ محمد شيخو، تحسين طه، نشأت آرتاش، نوري سوزكوزل ومؤخراً الفنان الكُردي شفان .
رحل الفنان جميل هورو بتاريخ 19/9/1989 من مساء يوم الخميس في مشفى إبن رشد بحلب ، وذلك إثر مرضٍ عضال، ودُفن في مقبرة حنان القريبة من كفرجنة وعفرين وذلك إلى جانب “نوري ديرسمي” المناضل الكُردي الآخر ، ومن مآسي القدر أنّ إمام جامع جنديرس رفض أن يغسله؛ كونه “مغني وسكرجي” حسب ادّعائه ..
وللعلم فقد أوصى الراحل إبنه البكر “بلنك” بأنه وعندما تقام كُردستان الحرة عليه أن يأتي مع الطبّالين والمزغردين لقبره ليقول له؛ “قم .. قم؛ فقد تحقّق الحلم” ..
فهل يمكننا أن نذهب إلى ذاك القبر لنبشّره يوماً بولادة كُردستان، ذاك هو الحلم والأمل وكلّ التمنيات أن نزفّ البشرى له قريباً مع كلّ الود والتحية والتقدير للذكرى الخالدة للفنان الراحل جميل هورو ولخدماته الجليلة للمكتبة الغنائية الكُردية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى